جورج خليل

2017 Mar 26




 

 إنّ تلازم الحاجة المتبادلة بين المغتربين اللبنانيّين ودولتهم يجعل البحث عن إطار عمليّ للتعاون البنّاء والتبادل المعرفي الفاعل الموضوع الأكثر إلحاحاً حاليّاً. ولا ضير في التذكير بأنّ المدائح التي تُكال حول المغترب ودوره من قبل أهل الحكم في لبنان، لا يقابله وقوف جدّي على حاجاته ومطالبه وهواجسه في الخارج. وعلى الرغم من ازدياد الاهتمام بلبنانيّي الاغتراب في السنوات الأخيرة من قبل الحكومات المتعاقبة، يبقى الكثير من العمل ناقصاً على طريق إعادة العلاقة بين لبنان الرسمي والمغتربين إلى سكّتها الصحيحة.

وحيث تقصّر الحكومات، يبادر القطاع الخاص في أكثر من مجال لتغطية عجز الدولة في تأطير اهتمام لافت بالمغترب. في هذا السياق، أمكن لمعهد الدراسات الاغترابية في "الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة" (LAU) أن يشكّل علامة فارقة في المبادرة بالاتجاه الصحيح. ولهذا السبب، قام "ليبانيز كورا" بزيارة الجامعة لمقابلة مدير المعهد الدكتور بول طبر، للاطّلاع منه أكثر على أهداف المعهد وبرنامجه وإنجازاته على صعيد تطوير التفاعل بين لبنانيّي الاغتراب ووطنهم الأم.

يوضح طبر في بداية اللقاء أنّه ترك لبنان مع أهله سنة 1971 إلى أوستراليا، لذلك، هو عرف معنى أن يكون اللبنانيّ مغترباً، خصوصاً أنّه عاش في تلك البلاد حوالي 30 سنة. لكنّ ذلك كان حافزاً إضافيّاً بالنسبة إليه كي يعود إلى لبنان وينشئ مركزاً يُعنى بشؤون المغترب وحاجاته ويطوّر علاقة استراتيجيّة بين لبنان المقيم ولبنان المغترب.

يضيف طبر أنّ علاقة اللبنانيّين المقيمين في وطنهم وأولئك المهاجرين، غالباً ما ارتدت "طابعاً رومنسيّاً لا يتخطّى إطار الأمنيات والكتابات والأغنيات، وفي بعض الأحيان لفتة من الدولة". لهذا السبب، رغب في تطوير علاقة مستدامة بين الطرفين تعتمد على فكرة إنشاء معهد مختصّ بالدراسات الاغترابية يقوم على المأسسة والمنهجية لربط اللبنانيّ ببلده. عاد طبر إلى لبنان مع بداية الألفيّة الثالثة، واقترح فكرته سنة 2004 على الجامعة اللبنانية الأميركية التي انتسب إليها أستاذاً محاضراً في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتي وافقت على المشروع سنة 2007.  

وحصلت الجامعة على تمويل تأسيسيّ للمعهد فتمّ تجهيز المكتب باللوازم والآلات والكتب المختلفة، ثمّ حصلت على تمويل من مختلف المصادر للانطلاق بالمشاريع والبرامج المرتبطة بالاغتراب. وبدأ التدريس داخل المعهد سنة 2014 حيث وصل عدد طلّابه الآن إلى 24 طالباً. وفي بلد كلبنان، غالباً ما يُطرَح احتمال حصول مختلف الطلّاب على فرص للعمل، بمن فيهم طلّاب معهد الدراسات الاغترابية. لكنّ طبر أجابنا بأن لا خوفَ على طلّابه. فما يقدّمه المعهد "مهمّ جدّاً لسوق العمل الاختصاصي" والذي يتطلّب معلومات نوعيّة ترتبط بالهجرة.

انطلاقاً ممّا سبق، يشير طبر إلى أنّ لبنان يواجه حالياً مشكلة تتعلّق بالهجرة وكذلك باللجوء. فهو يقف أمام أزمة لاجئين سوريين وقبلهم فلسطينيين وعراقيين مع ما يثيره ذلك من مشاكل مختلفة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وكذلك على صعيد الاندماج وأزمة العنصريّة وغيرها الكثير. إنّ مواجهة هذه الظاهرة، تتطلّب كفاءة عمليّة يمكن للدولة أن تحصل عليها من خلال الاستعانة بطلاب المعهد الذين يتخرّجون محمّلين بالمعرفة النظريّة والعمليّة. ومن جهة أخرى، ستنفتح أمام هؤلاء الطلّاب آفاق عمل كثيرة مع الجمعيّات والمنظّمات غير الحكوميّة والمنظّمات والوكالات الأمميّة (NGO, ESCWA,UNDP…).

ويؤكّد طبر الذي يرأس الآن أيضاً قسم العلوم الاجتماعيّة في الجامعة نفسها، أنّ المعهد يدرّب الطلّاب على التعامل مع جميع اللاجئين، دائمين أو مؤقتين، الموظفين أو المياومين ويحصّنهم بالمعرفة الشاملة حول تأثيري الهجرة السلبي والإيجابي على لبنان، سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً. كما يشدّد على أنّ المعهد يدرّب طلّابه على كيفيّة خلق بيئة علميّة للاستفادة من تحويلات اللبنانيّين الماليّة، فلا تبقى تحويلات عشوائيّة بل تصبح خاضعة لإطار واضح وموجّه تضعه الدولة كي تستفيد منها، أكانت عبارة عن هِبات أو تبرّعات أو بدل خدمات أو غيرها، للدولة أو المجتمع أو البلديّات أو الأهل ...

يتابع طبر فيلفت النظر إلى أنّ الأحزاب ووزارة الخارجيّة باتت أكثر وعياً حول أهمية المغتربين، لذلك قامت الأولى بإنشاء مكاتب للمغتربين، فيما بادرت الثانية إلى عقد مؤتمرات دولية وجولات خارجيّة للاهتمام بهم. وهذا بدوره يفتح المجال أمام الطلّاب في تولّي مسؤوليات كبيرة داخل الأحزاب أو في وزارات مهمّة كالخارجيّة والشؤون الاجتماعيّة والداخلية... فهم الذين يدركون جيّداً التأثيرات المختلفة للهجرة، إضافة إلى قدرتهم على التمييز بين آثار مختلف أنواعها كالهجرة الوافدة أو الخارجة أو العائدة.

يشرح طبر أنّ برنامج الماجستير في الدراسات الاغترابية داخل المعهد، هو برنامج متداخل المجالات، يستطيع أن يتقدم إليه متخرّجون من مختلف الاختصاصات، كالجغرافيا أو التاريخ، أو العلوم السياسيّة أو الاجتماعية أو العلاقات الدوليّة ... كذلك بإمكان المهتمّين بهذا الماجستير من الذين لم يتخرّجوا بشهادة من العلوم الاجتماعيّة، أن يخضعوا لمحاضرات تأهيليّة لا تتعدّى الستة أشهر كي يتقدّموا للتخصّص في البرنامج. ويمكّن المعهد أيضاً طلّابه من الحيازة على الماجستير خلال سنتين والتي بدورها تفتح المجال أمام المتخرّجين كي يتقدّموا للحصول على الدكتوراه في الدراسات الاغترابية.

وتؤمّن الجامعة حسومات تصاعديّة على البرنامج تبدأ بحوالي 30% وتصل إلى 90% مقابل تقديم الطالب لساعات عمل مع الأستاذ المعنيّ داخل المعهد ويتربط بمجال دراساته في الشؤون الاغترابية. وهكذا، يحصل التلميذ على حسم في أقساطه الجامعيّة، ويطوّر نفسه في مجال الدراسة، كما يساعد المعهد والأساتذة المشرفين في مجال العمل. إضافة إلى كلّ ذلك، يشدّد طبر على أنّ البرنامج يتعاون مع باحثين وأساتذة عالميّين من مختلف الجامعات الأميركيّة والأوروبيّة المشهورة (مثل  HARVARD وEUROPEAN UNIVERSITY INSTITUTE). يشارك هؤلاء الأساتذة في تقديم الدروس خلال مختلف الفصول الدراسية فيتعرّف الطلّاب إلى نظرة غربيّة متنوّعة ومتطوّرة لمقاربة القضايا المرتبطة بالاغتراب والهجرة.

أمّا عن إمكانيّة أن يكون التمويل مشروطاً بغايات سياسيّة معيّنة، فيجيب طبر أنّه لا بدّ من أن يكون هنالك اهتمامات متقاطعة بين المعهد والمموّل وإلّا فإنّ الجامعة سترفضه حتماً. لكن إلى الآن، لم يفرض أحد شروطاً معيّنة، بل كلّ ما هنالك أنّ جهة تكون مهتمّة بدراسة ما، وتكون ملمّة بالعناوين العامّة فقط. وهنا يأتي دور المعهد بتطوير الفكرة وتحويلها إلى دراسة ميدانيّة وأكاديميّة تهتمّ بالتفاصيل والمنهجيّة والمُخرَجات المفيدة.

وإلى جانب برنامج الماجستير، قدّم المعهد العديد من الكتب والدراسات والأبحاث المختصّة. فعند انطلاق عمله، جمع المعهد كل الدراسات والأطروحات "على قلّتها" وكلّ الكتب "على الرغم من أنها لم تستوفِ كل الشروط الأكاديميّة" والمرتبطة جميعها بالهجرة، وتمّ جمعها في بنك معلومات خاص. وأجرى المعهد أيضاً دراسة عن أنماط زواج معيّنة بين اللبنانيين المقيمين وأولئك المغتربين، كما في عيّنة شملت سكّان بلدة المنية الذين يتزوّجون من المهاجرين من أهلها والموجودين في أوستراليا. وأعدّ المعهد دراسة عن علاقة المغتربين بالشأن العام اللبناني على مستوى كندا وأوستراليا والولايات المتحدة وكيف يتعاطى المهاجر في هذه الدول مع وطنه خارج الإطار العائلي. كما أصدر المعهد مؤخّراً كتاب "دليل المهاجرين اللبنانيين الأوائل إلى أميركا مطلع القرن العشرين" والذي سبق لموقع "ليبانيز كورا" أن سلّط الضوء عليه في مقال خاص الثلاثاء الماضي.

وعن البرامج المستقبليّة، يأمل طبر تطوير برنامج الماجستير وتوسيعه ليشمل عدداً أكبر من الطلّاب. كما سيسعى المعهد إلى الحصول على مزيد من التمويل لإجراء أبحاث إضافيّة "كي يتحوّل المعهد إلى خليّة تعجّ بالباحثين".

وعلى الصعيد السياسي، يذكّر طبر بأنّه في انتخابات المجلس النيابي سنة 2009 استُجلب حوالي 120 ألف مغترب من الخارج للتصويت، وهذا يعني وجود حماسة لدى فئة كبيرة من المغتربين للمشاركة في الشأن العام اللبناني. لذلك، أيّد طبر تمثيل المغتربين في المجلس النيابي بدءاً بثمانية نواب كما اقترحت أكثر من جهة سياسية وصولاً إلى رفع العدد لاحقاً. فهؤلاء المغتربون يمكن أن يشكّلوا المستشارين الحقيقيين لوزارة الخارجية في الشأن الاغترابي العام وكذلك في مراحل تشكيل الحكومة. فالمغتربون هم المطّلعون عن كثب على أوضاع اللبنانيين في الخارج ومشاكلهم وعلى يوميّاتهم العمليّة بالتفصيل. لهذا السبب، يمكن أن يشكّل بعض هؤلاء، مستشارين وملحقين ثقافيّين أو اغترابيّين في الوزارة أو السفارات المتعدّدة. فهم القادرون على تشكيل خليّة أزمة حقيقيّة تطلع المسؤولين اللبنانيّين على أحوال المغتربين لدى حدوث أزمة أمنيّة أو سياسيّة أو اقتصاديّة ... وكذلك، يمكن لهم إيلاء الشباب المغترب الأهمية التي يستحقّها.

 

وبعدما أخبرنا طبر أنّ المعهد على تواصل مع المسؤولين اللبنانيين وخصوصاً مع وزارة الخارجية ودائرة المغتربين فيها، أمِل أن تتوثّق العلاقة أكثر بين المعهد والوزارة لينتقل التواصل من المستوى النظري إلى المستوي العملي لما في هذا التواصل من نفع على اللبنانيّن المقيمين والمغتربين.   

آخر المقالات


نطلب المستحيل.. نحن في المُحال

عصام الجردي

ستبقى قطوع الحسابات "مسمار جحا"، يستخدم غب الطلب على إيقاع الفساد تارة" والعفة طوراً. ودستورنا كشعبنا "غفورٌ رحيم"!

استراتيجيّة ترامب الإيرانيّة نصف فوز... على المقرّبين منه

جورج عيسى

لا ينظر "الحرس الثوريّ" بارتياح إلى "الحلّ الوسط" الأميركيّ ... يكفي النظر إلى ما جرى في كركوك يوم أمس

كيف نحمي رؤوسنا من الهواتف الذكية؟

ليبانيز كورا

خطوات بسيطة تساعد على تفادي الاوجاع التي قد تسببها التكنولوجيا الحديثة