ليبانيز كورا

2017 Aug 10




 

تعرف اللبنانيون الى جان شمعون، أو الأصح على صوته، في بدايات الحرب الأهلية من خلال مشاركة الفنان الراحل في البرنامج الإذاعي "بعدنا طيبين، قول الله" الذي استأثر باهتمام المستمعين. وقد شكّل شمعون مع زياد الرحباني ثنائيّاً ناجحاً من خلال اطلالتهما اليومية عبر اذاعة "صوت الشعب" في حلقات ساخرة تتناول يوميات الحرب والوضع السياسي والاجتماعي بأسلوب ابداعي وتهكمي. وقد اشتهرا بنقدهما اللاذع للاجتياح السوري للبنان مع عبارة التي راح يرددها معظم اللبنانيين "اختلط الحابل بالنابل"، و"يا أم الخصر المايل قولي لأم الجدايل حافظ (الأسد) غيّر فكرو وجيشو عا جونيه نازل".

حظي البرنامج بشعبية لافتة وشكل متنفسا لكثير من اللبنانيين المحاصرين في منازلهم او المغامرين على الطرقات تحت القصف او فريسة نيران تراشق الميليشيات، وشكل بالمقابل تعرية لزعماء الحرب، فتم ايقافه! وفيما بعد روى شمعون، حواراً دار بينه وبين أحد قادة الميليشيات: "مستر جان أنتم عملتولنا مشكلة... قلت له: شو هي المشكلة؟ قال: بس تبدأوا برنامجكم، اللي على خطوط التماس بيوقفوا إطلاق النار... قلت له ما نحن هيك بدنا، كانوا كلهم عندهم ترانزيستورات على خطوط التماس، بس نبلش نحكي أنا وزياد يوقفوا وما بقوا يقوصوا على بعض... ما نحن عاملين هالبرنامج لنوقف الحرب".

وراودت الثنائي آنذاك فكرة مسرحيّة عنوانها "المفتاح الثاني عشر". ففي كل مرة يهاجر أحد الأصدقاء هرباً من ويلات الحرب، كان يترك مفتاح الشقة المشتركة التي تجمع الأصدقاء لدى جان. فأصبح عدد المفاتيح بين يديه 12 مفتاحاً.

في مطلع السبعينيات، سافر شمعون إلى باريس، لدراسة الاخراج السينمائي، مشبعا بالفكر اليساري والنضالي وانخرط في المجتمع الباريسي الأكثر تمردا. في معهد لويلونير وجامعة "باريس8"، اطلع على التقنيات المتطورة التي سيستخدمها لاحقا في عمله كمخرج انتج العديد من الافلام الوثائقية القصيرة ثم الروائية. وكانت التيارات الفكرية والإيديولوجية آنذاك نتاج ثورة أيار1968 التي أثّرت كثيراً في وجدان وتفكير أمثاله من السينمائيين.

بدأ شمعون عمله السينمائي مع فيلم "تل الزعتر"، بالاشتراك مع مصطفى أبوعلي، عام 1976، ثم "أنشودة الأحرار"، الوثائقي الذي كان تحية لحركات التحرر في العالم الثالث.ثم تزوج من المخرجة مي المصري، التي اصبحت شريكة حياته الزوجية والفنية. فكان فيلم "تحت الانقاض" (1982)، ثم فيلم "زهرة القندول" (1985) الذي حصد لهما الكثير من الجوائز والاهتمام العالمي. عالج هذا الشريط الوثائقي قضيةً المرأة ودورها في المجتمع، وفي مقاومة الاحتلال الاسرائيلي.

بعدها حقق الثنائي تسجيل "جيل الحرب" (1989) في مقاربة ذات بُعدٍ إنسانيٍّ جديد، هو الجيل الذي ولد في خضم الحرب وعاش هواجسها. تبعه "أحلام معلّقة" (1992) حيث تعاقبت على كاميرا شمعون أربع شخصيات همّشتها الحرب، وهي مصممة على إعادة بناء حياتها من الصفر. والفيلم ارتكز على معاناة وداد حلواني التي خُطف زوجها أثناء الحرب، والتي مازالت الى اليوم تبحث عن حقيقة اختفائه... وفي وثائقي آخر عنوانه "رهينة الانتظار" (1994) يتناول قصّة طبيبة تعود إلى جنوب لبنان لتسلط الضوء على معاناة الناس تحت الاحتلال، وعلى هواجس الجنوبيات على وجه الخصوص.

في العام 2000، أخرج شمعون فيلمه الروائي الأوّل "طيف المدينة"، وهو عبارة عن مراجعة مباشرة مع الذات حول الحرب اللبنانية. وفي "أرض النساء" (2004) الذي قارب حكاية ثلاث مناضلات فلسطينيات، أولهن كفاح عفيفي الأسيرة المحررة من معتقل الخيام، وفدوى طوقان أولى شاعرات فلسطين، وسميحة الخليل إحدى رائدات المقاومة الاجتماعية والثقافية والشعبية ضد اسرائيل. ثم كان أحد أواخر أعماله "يوميات بيروت" (2006)، بالاشتراك مع زوجته.

فكّر جان في تصوير فيلم عن فيروز، فنصحه زياد بعدم المغامرة لأن فيروز صعبة المزاج. لكن جان أقدم على المغامرة، وبعد جلسات عديدة، أقنعها بتصوير الفيلم... ودارت الكاميرا فعلاً. إلا أنها توقفت في منتصف الطريق، بعدما تصاعدت حدة الحرب وانهمك شمعون بالسينما الميدانية والوثائقية.

شكل جان شمعون علامة بارزة ضمن الجيل المؤسس للسينما اللبنانية الجديدة التي تعالج الواقع السياسي والاجتماعي بأسلوب مباشر وجريء، وملتزم قضايا الناس. نذكر منهم برهان علوية ومارون بغدادي وآخرين. نالت أفلامه الكثير من الجوائز العالمية وعُرضت في أكثر من مئة بلد في العالم.

رحل جان باكرا (73سنة)... وبصمت!

آخر المقالات


نطلب المستحيل.. نحن في المُحال

عصام الجردي

ستبقى قطوع الحسابات "مسمار جحا"، يستخدم غب الطلب على إيقاع الفساد تارة" والعفة طوراً. ودستورنا كشعبنا "غفورٌ رحيم"!

استراتيجيّة ترامب الإيرانيّة نصف فوز... على المقرّبين منه

جورج عيسى

لا ينظر "الحرس الثوريّ" بارتياح إلى "الحلّ الوسط" الأميركيّ ... يكفي النظر إلى ما جرى في كركوك يوم أمس

كيف نحمي رؤوسنا من الهواتف الذكية؟

ليبانيز كورا

خطوات بسيطة تساعد على تفادي الاوجاع التي قد تسببها التكنولوجيا الحديثة