رنا زيدان

2017 Aug 22




 

يضع كثيرون الموسيقى في طليعة الفنون، لإدراكهم قدرتها على التأثير في الإنسان وحياته النفسية؛ عنها قال أرثر شوبنهاور"تأثير الموسيقى أكثر تغلغلا وقوة من كل الفنون الأخرى، فبينما تتناول تلك مجرد ظلال، تنفذ الموسيقى إلى الجوهر".

عرف الإنسان الموسيقى، بطريق فطرية، منذ القدم. لم تنتج ثقافة بشرية معروفة دون نوع من الموسيقى خاصة بها. فالموسيقى موجودة أصلاً في الطبيعة، أدرك الإنسان تأثيرها الرائع عليه. أحس بها وأثرت فيه. فأنتجها لتعبرعن مشاعره وواقعه، واستخدمها كوسيط علاجي في مجال الطب النفسي على مر العصور. وذلك لعلاج الإضطرابات النفسية المختلفة بإستخدامها كوسيلة سحرية، قادرة على التغلغل في نفس الإنسان، وعلى تغييرها من حال الى حال.

العلاج بالموسيقى تاريخيا

حرّم الفراعنة و المصريون القدامى الموسيقى عن عامة الشعب، وبخاصة الإيقاعات المرحة التي تلهي الناس، والآلات الموسيقية الصاخبة "التي تفتقر الى الوقار و العفة". اقتصرت الموسيقى على أبناء الملوك والكهنة والنخبة من الشعب، إعترافا منهم على قدرة الموسيقى في التأثير على الروح البشرية. استخدمت الموسيقى مع دخول المسيحية في أرض مصر في التراتيل داخل الكنائس لشفاء الروح والجسم من الأمراض النفسية و العصبية و الجسمية.

إهتمت الحضارة اليونانية بالموسيقى بشكل كبير، وأجمع الفلاسفة اليونانيون كأرسطو وأفلاطون على أهمية الموسيقى وفعاليتها في تهذيب النفس البشرية، و تأكيداً منهم على ذلك فرّق اليونانيون بين السلالم الموسيقية لديهم وأعتبروا ان بعض مقامات تؤثر سلباً على النفس والأخلاق والتي عرفت عندهم بالمقامات الأنثوية أو الرخوية، والبعض الآخر له أثر ايجابي يبث الوقار والعفة كالمقامات القوية والحماسية.

أما في الحضارة العربية و الإسلامية، إستخدم العرب الموسيقى في علاج المرضى النفسيين بما أطلقوا عليه "أمراض العته العقلي"، فاستخدموها في "بيرمستاناتهم" أي دور الشفاء. وذكر الفارابي في كتابه " كتاب الموسيقى الكبير" أن لكل لحن غاية محددة فلأول هو الملذة التي تكسب النفس الراحة والثاني المخيلة التي تدفع النفس للتأمل والثالث الإنفعالية التي تثير إنفعالات الفرح والحزن، وذكر "إخوان الصفا" في احدى رسائلهم ان "الموسيقى لها تأثيرات روحانية تحمل أثراً عظيماَ على النفوس، وتغير من حال إلى حال". أما إبن سينا فقد أكد في كتابه الشهير "قانون في الطب" أن الموسيقى علاجاً لعدد من الأمراض النفسية والعقلية التي تصيب الإنسان.

خلال الحرب العالمية الأولى والثانية وبعدها، عندما ارتفعت بشكل كبير الإضطرابات النفسية والصدمات العصبية للمحاربين والمدنيين، أستخدمت الموسيقى لعلاج هذه الحالات. وفي الأربعينيات تم تأسيس شهادة ممارسة المعالجة بالموسيقى في الولايات المتحدة الأمريكة.

إرتبطت الموسيقى على مر العصور بالنواحي الدينية، والتي ترتبط مباشرة بالجانب الروحي للإنسان، لذلك نجد إستخدامها عند قراءة التراتيل في الكنائس، ومناجاة الله في المذهب الصوفي.

العلاج بالموسيقى في لبنان

 كيف تستخدم الموسيقى في العلاج النفسي ؟ تؤكد أستاذة علم النفس العيادي والمرضي في الجامعة اللبنانية ومؤسسة العلاج بالموسيقى في لبنان وعضو منسق في الاتحاد العالمي للعلاج بالموسيقى ((WFMT الدكتورة حمدة فرحات ان" الموسيقى تؤثرعلى الجهاز العصبي المركزي عبر الناقلات العصبية التي تتلقى الصوت عبر الأذن وبحسب نوع الموسيقى يأمر الدماغ الغدد بإفراز الهرمون المناسب لها. فعند الاستماع الى موسيقى ايقاعية وفرحة من حيث المقام الموسيقي يفرز الدماغ مادة الدوبامين او السيروتونين، أما عند االاستماع الى موسيقى حزينة يفرز الدماغ مادة الكورتيزون، وعند سماع الموسيقى الصاخبة يفرز مادة الأدرينالين".

تضيف دكتورة فرحات " يتأثر السلوك والجسد بالموسيقى ومع تعدد الجلسات والحوار واستدعاء الصور من خلال التخيل يتم العلاج، ويستتبع العلاج بالموسيقى بالتحليل النفسي والعلاج السلوكي".

تخاطب الموسيقى حواس الانسان وبشكل خاص خبراته الشخصية وذكرياته، اي انها تصل وتدخل في منطقة اللاشعور (اللاوعي) لدى الانسان، مطلقة العنان لهذه المنطقة لتظهر في منطقة الوعي، بحيث تكشف الموسيقى عن مكنونات اللاوعي، مما يساعد على التنفيس والعلاج النفسي.

تؤكد دكتورة فرحات "جميع الإضطرابات النفسية قابلة للعلاج بالموسيقى، وكذلك الحالات الجسدية، وذلك لأن الإنسان يتكامل بين النفس والجسد"

تؤثر الموسيقى على الإنسان في كافة مراحل نموه، وبخاصة في مرحلة الطفولة، بحيث يبدأ الطفل التعرف على الأصوات و الإيقاعات والنغمات المختلفة، يربط بينها مع ما حوله من أشخاص وأشياء، وبإستخدام الأصوات يعبر عن نفسه، وبالتالي يعبر عن ما يشعر به من مشاعر الحزن والفرح.

تشير دكتورة حمدة "تستخدم الموسيقى كوسيط في علاج التوحد لدى الأطفال وغيرها من الإضطرابات النفسية، أما طريقة العلاج فتختلف من حالة لأخرى".

 

أنواع الموسيقى العلاجية

تشير الاخصائية في علم النفس والمعالجة بالموسيقى د.لينا حداد الى انه "لا يوجد  نوعا واحدا من الموسيقى يتم اتباعه في العلاج. فالامرمرتبط بالحالة النفسية التي يعيشها الشخص".

وعن الطريقة التي يتم بها تحديد نوع الموسيقى والعلاج أوضحت دكتورة حداد " نبدأ العلاج بمحاولة إسماع الشخص موسيقى تتلائم مع حالته النفسية، ثم نحاول تغيير حالته النفسية عبر إسماعه أنواع موسيقية أخرى".

تضيف دكتورة حداد " يستخدم الى جانب الإستماع للموسيقى، الرقص والغناء والعزف على آلات موسيقية بسيطة، للمساعدة في الخروج من حالة نفسية معينة".

وتشرح" يخضع الشخص لمقياس تقبل الموسيقى. نسمعه عدة أنواع من الموسيقى ونطلب منه أن يعبر عن شعوره عند سماع كل نوع من الموسيقى، إما بالكلام أو بالرسم أو بكتابة نص يعبر فيه عما شعر به. نستطيع من خلال هذه الطريقة أن نستنبط نوع الموسيقى التي تشعره بالراحة".

 ماذا عن المعالِج بالموسيقى؟

في سؤال عن مؤهلات المعالج بالموسيقى تقول دكتورة حداد " المعالِج بالموسيقى يجب أن يتمتع بمجموعة من المؤهلات الموسيقية والأكاديمية تسمح له بالعلاج،عليه أن  يجيد إما العزف على آلة موسيقية واحدة أو أكثر، أو أن يكون مغن، فضلاً عن إمتلاكه شهادة جامعية في التربية الموسيقية".

تضيف دكتورة حداد " بالإضافة لمهاراته الموسيقية، على المعالج بالموسيقى أن يدرس علم النفس، وعلم الأحياء، خاصة فيما يتعلق في منطقة الدماغ  والجهاز العصبي لدى الإنسان من حيث كيفية عمل الدماغ وتفاعله مع الموسيقى".

علاج جماعي بالموسيقى

يمكن للعلاج بالموسيقى أن يكون فرديا أو جماعيا. ويتم إستخدام طرق مختلفة في التخفيف من التوتر، وتفريغ الشحنات الإنفعالية في العلاج الجماعي. تقول جيمي جواد عن تجربتها في ورشة العلاج الجماعي بالموسيقى، انها شاركت باحدى هذه الورشات بهدف "التفريغ من خلال الموسيقى. يتشارك الاشخاص نقل المشكلات الشخصية لكل فرد مشارك في الورشة، من منطقة اللاوعي التي تحتوي على كافة التجارب الشخصية والصعوبات التي مر بها الفرد الحزينة والمفرحة، الى منطقة الوعي".

تؤكد جواد أن "آلية العمل داخل الورشة تتطلب السرية الكاملة، والتعاون بين المشاركين. كما اننا نتعهد خلال الورشة ان يكمل كل فرد الآخر كنوع من التكاتف العاطفي". تضيف "أستخدمت في الورشة موسيقى "هندية"، كما طلب منا ان نتحرك ونرقص داخل القاعة ممسكين أوشحة ملونة، كطريقة تساعد كل منا الوصول الى أعماق النفس، وبعد ذلك يطلب من كل فرد أن يرتاح ويجلس قليلا مع نفسه، أو أن يرسم بتلقائية ما يشعر به عند الإستماع للموسيقى". لا تنفي جواد أن "عملية البوح لدى البعض عما يشعرون به، او القدرة على التحدث عن مشكلاتهم لم يكن بالأمر اليسير. واحتاجوا المزيد من الجلسات والتدريبات، لمساعدتهم على الكلام من دون تردد".

وعن تجربتها قالت" في نهاية جلسات الورشة، شعرت بتحسن كبير. ساعدني ذلك على بدء حياة جديدة، خاصة بعد تجربة الإنفصال التي عشتها قبل بدء الورشة بفترة قصيرة. وقد خرجت مزودة بجرعة عالية من الأمل والتفاؤل.

هذا بعض مما تفعله الموسيقى بالنفس البشرية، وهو بعض ما لخصته أم كلثوم بشدوها "المغنى حياة الروح، يسمعها العليل تشفيه...".

آخر المقالات


نطلب المستحيل.. نحن في المُحال

عصام الجردي

ستبقى قطوع الحسابات "مسمار جحا"، يستخدم غب الطلب على إيقاع الفساد تارة" والعفة طوراً. ودستورنا كشعبنا "غفورٌ رحيم"!

استراتيجيّة ترامب الإيرانيّة نصف فوز... على المقرّبين منه

جورج عيسى

لا ينظر "الحرس الثوريّ" بارتياح إلى "الحلّ الوسط" الأميركيّ ... يكفي النظر إلى ما جرى في كركوك يوم أمس

كيف نحمي رؤوسنا من الهواتف الذكية؟

ليبانيز كورا

خطوات بسيطة تساعد على تفادي الاوجاع التي قد تسببها التكنولوجيا الحديثة