عصام الجردي

2017 Sep 08




 

لم يخطر في بال أنجيلا دوروثيا كاسنر، أنجيلا ميركل لاحقاً بعد زواجها الأول من اورليخ ميركل التي ولدت في إحدى ضواحي برلين الشرقية سابقاً وترعرعت، إنها ستصبح في يوم من الأيام مستشارة، ولألمانيا موحدة. عالمة الفيزياء التي تخرجت من معهد لايبزيغ الاشتراكي، كانت تعلم إن حدود طموحها أضيق من حدود المانيا الشرقية قبل سقوط جدار برلين في 1989. يومها كان ثعلب الكرملين فلاديمير بوتين واحداً من ضباط جهاز الاستخبارات السوفياتية كي جي بي الحاكم الفعلي لألمانيا الشرقية. أي الجهاز نفسه الذي كانت ممارساته القمعية من بين أسباب كثيرة سبباً لانهيار الاتحاد السوفياتي وتبخيس منجزاته الاشتراكية والانسانية.

في الغالب الأعمّ، ميركل في طريقها الى ولاية رابعة على رأس المستشارية الألمانية بعد الانتخابات العامة المقررة في 24 أيلول الجاري. استطلاعات الرأي التي أظهرت في آب الماضي تراجع شعبيتها نقاطاً خمساً، لا تلغي حظوظها للاحتفاظ بأكثرية نيابية لمصلحة الحزب الديموقراطي المسيحي. الناخبون في المانيا يحاسبون الحاكم. ويُجزونه ثواباً وعقاباً تبعاً لمنجزاته و/أو اخفاقاته. ولما يحوزه من مواصفات الحاكم رزانة ورصانة وصدقية، او العكس. منذ كونراد أديناور، المستشار الأول لالمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، الذي بنى ما سُمي "المعجزة الالمانية"، وحوّل بلاده أيقونة صناعة الجودة وابتكاراتها في العالم، لم تعرف المانيا مستشاراً بمواصفات ميركل وانجازاتها. ونحتاج الى تقييم دقيق لمعرفة ما اذا كان أديناور يتقدم عليها حقاً. فالأخير صنع المعجزة في ظروف ما بعد الحرب. وبعد عقد على ازمة الكساد الكبير في الولايات المتحدة والعالم 1929 - 1931. ميركل حافظت على المعجزة. وطورت المانيا. واخرجتها من اخطر ازمة ركود وانهيارات مالية عصفت بالعالم سنة 2008. بينما ما تزال كل الدول الصناعية والولايات المتحدة تجرجر الازمة ذيولاً.

وظني أن سجل ميركل الاقتصادي الداخلي لا يصلح فرادى لتقييم الدور الذي لعبته معيناً إياها وللحزب الديموقراطي المسيحي في الانتخابات العامة المقبلة. رغم أهمية العامل الاقتصادي حافزاً لوجهة الناخبين والرأي العام. إذ لا يمكن استبعاد عوامل خمسة أساسية واجهتها المستشارة في فترة ولايتها الأخيرة تحديداً. ازمة المديوينة الاوروبية واحتمالات انهيار الاتحاد النقدي الاوروبي ومنطقة اليورو. قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الاوروبي وتبعاته على مستقبل الاتحاد. الملف النووي الايراني. ازمة المهاجرين والارهاب. المانيا كانت حائط الصد في وجه انهيار اليورو قبل أن تخرج من الازمة الاقتصادية. كانت لها الحصة الأكبر في خطط الانقاذ المالية لليونان وإيرلندا واسبانيا والبرتغال وقبرص. قادت بصلابة متناهية اتجاه التقشف الاوروبي للخروج من المديونية. رغم خطورة هذا الدور ونجاعته على حساب النمو والاستقرار. ولم تقطع مع رئيس فرنسا السابق فرنسوا هولاند، حرصاً على الركيزة الثانية في جذر الاتحاد الاوروبي. لعبت دوراً وازناً ومطلوباً على المستوى الدولي للوصول الى الاتفاق النووي مع ايران. أعرضت عن سماع كل الانتقادات الاوروبية لوقف دخول المهاجرين من سوريا والعراق والشرق الوسط عموماً. تصدت للعمليات الارهابية ورصدت موازنة كبيرة للأمن والطوارىء. وفي كل الجهد الذي بذلته كان عليها مواجهة معارضة داخلية وشعبية واسعة. وصل التبرم الى داخل الحزب الديموقراطي المسيحي في قضية المهاجرين واللاجئين. قيّد البوندستاغ يدها في تمويل رزم الانقاذ الاوروبية. وأسندها بتشريع الى المحكمة الدستورية العليا. تغذى معارضوها من التيارات الشعبوية والقومية المتعصبة من سياساتها، كحزب البديل والنازيون الجدد. صعدت أصوات تطالب بالعودة الى المارك الالماني والتخلي عن مفوضية بروكسل، والتركيز على فرص العمل للالمان لخفض البطالة.  

من المفارقات أن البطالة في المانيا تراجعت في تموز 2017 ( لم يصدر رقم آب بعد ) الى 3.7 في المئة. الرقم الأدنى منذ 37 سنة. وتخوض جولة الانتخابات الرابعة بشعار خفض البطالة الى 3 في المئة. نتائج المؤشرات الاقتصادية باهرة في كل المعايير. الاقتصاد ملعبها بامتياز. لا يوجد اقتصاد كبير حالياً من 3 تريليون و466.67 مليار دولار اميركي ( 2016 ) يتمتع بنمو مطرد وبطالة وخفوضة. مع فوائض في كل الموازين سوى الاقتصاد الالماني. بحسب مكتب الاحصاءات الوطنية في فيسبادن سجل النمو في الربع الثاني 2017 معدلاً على أساس سنوي 2.1 في المئة.المليارات التي أنفقتها الدولة لإيواء اللاجئين أحيت قطاع الإعمار، والطلب الاستهلاكي. الرقم هو الأخير قبل موعد الانتخابات. الأمر النادر اليوم فائض الموازنة الالمانية سنة 2016 بواقع 23.7 مليار يورو. كل الدول الصناعية موازناتها عاجزة. حتى صندوق التأمينات الاجتماعية بفائض 8 مليارات يورو. الناتج المحلي للفرد 45.551.51 دولار اميركي سنوياً. يوازي 361 في المئة من المتوسط العالمي لدخل الفرد الى الناتج. الفائض التجاري في تموز 2017 19.5 مليار يورو. علماً، ان واردات المانيا تجاوزت صادراتها في الشهر المذكور. الأمر يندر حدوثه. وقد يكون مرده زيادة الطلب الاستهلاكي.

في اعتقادي ان ميركل لم تترك اوراقاً اقتصادية يلعبها خصومها، وفي مقدمهم الحزب الاشتراكي الديموقراطي. الساحة الاقتصادية للديموقراطي المسيحي. "المبادىء الانسانية والسلام" التي تتمسك بها المستشارة لا تتيح لمارتن شولتز الخطيب الاشتراكي المفوه هامش مناورة كبيراً للمزايدة على ميركل واستقطاب مؤيدين. وقد بدا شولتز مربكاً في المناظرة مع منافسته الاسبوع الماضي ربما لفقدان عنصر خصومة يعتد به. خسارة الحزب الاشتراكي الانتخابات الفرعية في ولايتي شمال الراين وستفاليا وشليسفيغ هولشتاين مؤشران سلبيان في معقلين تقليديين للحزب.

 

 



آخر المقالات


نطلب المستحيل.. نحن في المُحال

عصام الجردي

ستبقى قطوع الحسابات "مسمار جحا"، يستخدم غب الطلب على إيقاع الفساد تارة" والعفة طوراً. ودستورنا كشعبنا "غفورٌ رحيم"!

استراتيجيّة ترامب الإيرانيّة نصف فوز... على المقرّبين منه

جورج عيسى

لا ينظر "الحرس الثوريّ" بارتياح إلى "الحلّ الوسط" الأميركيّ ... يكفي النظر إلى ما جرى في كركوك يوم أمس

كيف نحمي رؤوسنا من الهواتف الذكية؟

ليبانيز كورا

خطوات بسيطة تساعد على تفادي الاوجاع التي قد تسببها التكنولوجيا الحديثة