انطوان العويط

2017 Sep 24




ليستْ في صوتها جارة القمر هي. كيف تكون، حين في قدسيّة ابتهاله يجترح الصوت الحياة. وكيف؟ أليس في انخطافه صفاء الملائكة ونسك المتصوّفين؟ أليس في نبضه قيامة الأنبياء؟ أليس في جروحه وجع لمسيح بين زيتون جبل، وفي انسيابه دعوة لصلاة من مئذنة؟

إنّه زهرة المدائن ومريم البكر ترنيماً، وكينونة عاشق إن أحبّ لا يقول أنّ الله في قلبي بل أنا في قلب الله.

ليست فيروز في صوتها جارة للقمر، بل هي في قلب الله.

 

***

بانتباه وتهيّب، تابعت التفاعل الأوليّ لمتيّمين كثر سكنهم الصوت في وجدانهم، بعد صدور الألبوم الجديد " ببالي".

قصدي مختلف لأكن صريحاً. بعضهم شهر المرافعات. آخرون تحفّظوا. وها هو مزيج من فرح وانشراح يعتمر القلوب وأيضاً، هالة من تحسّر وانكساف.

مختلف في قصدي أنا، لأنّي، أعترف، حين غاب صوتها عن الوجد لسنوات، حلّت بحّة من حنين حنجرة جمعت أشلائي الممزّقة. حين، كنت عطشاّ فسقتني. غريباّ فآوتني. عرياناّ فكستني. وميّتاً فأحيتني.

قصدي مختلف لأكن صريحاً، لأني، قال لي الصوت لا تستطيع أن تكون موضوعيّاً. ولأنّي، لا أرحّب برأيّ وأجافي آخر. ولأنيّ، وقد تجلّى، سجين الصوت أنا وعاشقه.

 

***

في الوقت عينه...دعوني أسأل. أقليل لمن هو في الثانية والثمانين أن يغامر وبجرأة؟ ولأتّفق مع البعض أقول، ليس في الأمر مفاجأة. ففي الذكرى الحادية والثلاثين لغياب الكبير عاصي، كشفت ريما الرحباني عن أغنية " لمين" لوالدتها، وأوحت من يومها عن السياق المتّبع.

ولأذهب إلى الأبعد. سبق لعاصي ومنصور أن اقتبسا في خمسينات وستينات القرن الماضي من أجواء السامبا والرومبا العالميّة، وأبدعت فيروز في نقل أجوائهما بسلاسة ودون انقباض من جمهور مسحور أو نقد من قيّم حكيم.

المسألة ليست هنا. أهل من قحط في البيت اللبناني الكبير – وما يجاوره محليّاً -كلمة ولحناً، وهو قد أسّس لواحدة من أهم وأعمق وأفعل المدارس الغنائيّة والموسيقيّة والتعبيريّة في هذا العصر، ولا يزال؟!  قطعاً لا. فلماذا تلك العودة إلى أغنيات أجنبيّة معروفة، بألحان أجنبيّة معروفة، وبكلمات أجنبيّة معروفة، وتوليف أجنبيّ؟!

لم يتردد يوماً ناقد محلي أو عربي أو أجنبي في إعلاء أهميّة الصوت الاستثنائي الملائكي بمقياس الفن العالمي، للمتوّجة في الوجدان الوطنيّ والعربيّ والدوليّ. الاسبانيّة في الثلاثينات" بيسامي موتشو" غنّاها كبار وأكثر من مئتي مطرب ومطربة. " لمن تسهر النجمة" لجيلبير بيكو و"ايماجن" لجون لينون...؟! لا أتكلّم هنا على القيمة المضافة للصوت الذي لا يزال نضراً. قادراً ومتجدّداً. ولا أقارب ذلك الابهار في طبقاته وصفاء عربه. ولا أشكّ للحظة بمطواعيّته في نفح روح مشرقيّة على ألحان ليست من هنا.

أتحدّث هنا عن جواز المقارنة بين أصوات تينو روسي، داليدا، خوليو إيغلزياس، أندريا بوتشيلي،فرانك سيناترا، باربرا سترايسند وجون لينون، وغيرهم، على أهمّيتها، وبين صوت المرأة البلاد الله؟!

بتجرّد وموضوعيّة، الرأي ليس لي. إنّه لكبار النقاد العالميين. لقد تم التهاون والمسّ بما لا يجوز التهاون والمسّ به، مع اختتام مسيرة لا تختتم. ففيروز ليست في صوتها جارة للقمر، بل هي في قلب الله.

 

 

 

 

آخر المقالات


نطلب المستحيل.. نحن في المُحال

عصام الجردي

ستبقى قطوع الحسابات "مسمار جحا"، يستخدم غب الطلب على إيقاع الفساد تارة" والعفة طوراً. ودستورنا كشعبنا "غفورٌ رحيم"!

استراتيجيّة ترامب الإيرانيّة نصف فوز... على المقرّبين منه

جورج عيسى

لا ينظر "الحرس الثوريّ" بارتياح إلى "الحلّ الوسط" الأميركيّ ... يكفي النظر إلى ما جرى في كركوك يوم أمس

كيف نحمي رؤوسنا من الهواتف الذكية؟

ليبانيز كورا

خطوات بسيطة تساعد على تفادي الاوجاع التي قد تسببها التكنولوجيا الحديثة