جورج عيسى

2017 Sep 26




 

 

إذاً، فعلها الأكراد. على الرّغم من المناشدات الأميركيّة والتهديدات الإقليميّة بالويل والثبور، أصرّ رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني على إجراء الاستفتاء في موعده بدون تأجيلٍ حتى ليوم واحد. "الضمانات" التي طالب بها رئيس الإقليم ليؤجّل خطوته لم تُقدّم على طبق من فضّة كما كان يأمل، ففضّل الاستمرار في المشروع-الحلم. حين أعلن منذ ثلاث سنوات أنّه بصدد التحضير لإجراء استفتاء، لم يأخذه الجميع على محمل الجدّ. قال البعض إنّه يناور مع حكومة نوري المالكي حينها من أجل كسب بعض الأراضي والثروات لصالح إقليمه. رأى هؤلاء أنّ الرجل "انتهازيّ لا انفصاليّ". بعد انتهاء الحرب على "داعش"، أثبت بارزاني خطأ هؤلاء بشكل لا لبس فيه.

حالة من الغضب تسيطر على العواصم المحيطة بالإقليم: بغداد، طهران، أنقرة ودمشق استعدّت لمواجهة تداعيات الاستفتاء. لم توفّر أيٌّ من هذه العواصم إشعال الورقة الكرديّة في وجه جارتها. دعمُ الأكراد خارج الحدود وضربُهم في الداخل، تلك كانت سياسة هذه الأنظمة ضدّ بعضها البعض على مدى عقود، قبل أن تعود وتتّفق بين بعضها على حساب الأكراد. واقترن خوف هذه الدول من الاستفتاء مع "خيبة أمل" أميركيّة من خطوة الأكراد.  

أصدرت وزارة الخارجيّة الأميركيّة بياناً يوم أمس الاثنين، جاء فيه: "إنّ الولايات المتّحدة تشعر بخيبة أمل عميقة بسبب قرار حكومة إقليم كردستان إجراء استفتاء أحاديّ الجانب على الاستقلال اليوم، بما فيها مناطق خارج إقليم كردستان". أبلغ الأميركيّون بارزاني خوفهم من أن يؤدّي الاستفتاء إلى خطف الأنظار عن الحرب ضدّ "داعش". كذلك، قال البيت الأبيض إنّ الولايات المتّحدة تأمل وجود عراق موحّد لتدمير "داعش" والتصدّي لإيران.

لكنّ البيت الأبيض نفسه لا يظهر أيّ جهد في "التصدّي لإيران" باستثناء بعض البلاغة التي اعتاد على سماعها المسؤولون الإيرانيّون. تحمّل واشنطن الأكراد مسؤوليّة بقاء العراق موحّداً لمواجهة إيران بينما تكاد العاصمة الأميركيّة تبارك سيطرة طهران على الشرق الأوسط كلّه ضمن الهلال الذي يربطها بالبحر الأبيض المتوسّط. هذا إن صدّق المراقبون أساساً أنّ الدولة العراقيّة كانت واحدة موحّدة جغرافيّاً وإثنيّاً وطائفيّاً، ثمّ أتى الاستفتاء وفتّتها فجأة.

طبعاً، يشير باحثون إلى أنّ عدسة واشنطن التي تنظر من خلالها إلى الواقع في الشرق الأوسط مقلوبة. بالنسبة إليهم، إنّ قيام دولة كرديّة مستقلّة مفترضة هي التي تقلق طهران لا العكس. فالعراق الموحّد واقع تحت سيطرة الإيرانيّين، إذ إنّ المناطق التي يُطرد منها "داعش" تقع بشكل آليّ تحت نفوذ "الحشد الشعبيّ" الذي تمّ تشريع وجوده ودوره أواخر العام الماضي. ستيفن هولينغشد من "فوكس نيوز" يذكّر ترامب بأنّ فوزه الضئيل في ولاية ميتشيغن (12 ألف صوت) ما كان ليتمّ لولا أصوات مئات الآلاف من العراقيّين المسيحيّين المنتشرين حول ديترويت. وقد آن الأوان لردّ الجميل وإعادتهم إلى وطنهم في إقليم كردستان الذي يجب أن يُدرج ضمن المناطق الآمنة الأميركيّة. ويضيف: "العراق الموحّد هو تجربة فاشلة، ومساعداتنا تذهب إلى حكومة تسيطر عليها طهران". الباحث في "مؤسّسة الدفاع عن الديموقراطيّات" أليكس فاتانكا كتب في مؤسّسة الرأي "ذا ناشونال إنترست" الأميركيّة أنّ إيران تخاف من تجربة كرديّة علمانيّة ناجحة على حدودها.

عودة إلى الحدث نفسه. استند استفتاء كردستان العراق، أو بحسب التسمية الكرديّة "كوردستان الجنوب" إلى ما يفسّره الأكراد بأنّه تخلّص من الظلم الذي حلّ بهم بعد اتفاقيّة سايكس-بيكو، خصوصاً أنّهم الشعب الوحيد حول العالم (بين 25 و 30 مليون شخص) الذي لا يتمتّع بدولة خاصّة به. وساهم تجميد حكومة بغداد تحويل حصّة الإقليم من الموازنة العراقيّة في تعزيز قناعة الأكراد بضرورة إجراء الاستفتاء الذي شمل المحافظات الكرديّة الثلاث دهوك والسليمانيّة وإربيل. كما شمل مناطق متنازع عليها من خارج الإقليم وعلى رأسها كركوك الغنيّة بالنفط والتي تقع في محافظة ديالى. وشارك حوالي 72% من الناخبين في الاستفتاء بينما أيّد حوالي 93% خيار الانفصال.

وبعكس الاستفتاء الذي يريده الأكراد مهيّئاً لخروج سلميّ من الدولة العراقيّة على طريقة ال"بركزيت"، تقرع الدول المجاورة طبول الحرب مع الإقليم. حكومة بغداد ترفض الاستفتاء كما ترفض قبول فكرة بارزاني بأنّه يمكن لدولتين كرديّة وعراقيّة أن تتعايشا جنباً إلى جنب، محذّرة من لجوئها إلى "خطوات لحماية وحدة البلاد". أمّا الرئيس التركي فوصف رفض الاستفتاء ب "مسألة بقاء" بالنسبة إلى تركيا التي أجرت مناورات عسكريّة على الحدود مع الإقليم. وكذلك فعلت إيران. من هنا، تعجّبت ممثّلة كردستان في واشنطن بيان رحمن من قدرة اسكتلندا وبشكل طبيعيّ على تنظيم استفتاء الانفصال عن المملكة المتّحدة بينما استفتاء الأكراد يعدّ جريمة.

صحيح أنّ الدول الغربيّة تنظر إلى حقّ تقرير المصير بمزيد من الليونة، لكنّها مع ذلك، لا تستطيع إلّا أن تضيف مسحة من الرّيبة إلى تلك النظرة. وتكفي الإشارة إلى المفاوضات الصّعبة التي تخوضها رئيسة الوزراء البريطانيّة تيريزا ماي مع بروكسيل وبرلين في سياق خروج بلادها من الاتّحاد الأوروبّي لتأكيد هذا الواقع، علماً أنّ بريطانيا لا تنفصل عن دولة بل عن اتّحاد. ولطالما خضع مبدأ تقرير المصير إلى اعتبارات ذاتيّة أكثر من خضوعه لمفاهيم قانونيّة دوليّة موضوعيّة. لذلك، ليس من الغريب مثلاً، أن يقبل كارل بيغديمونت، رئيس إقليم كاتالونيا، باستفتاء كردستان ويهنّى بارزاني على النجاح بتنظيمه، فيما ترفضه إسبانيا بشكل قاطع.

لقد رفض الأكراد من جهتهم تأجيل الاستفتاء ربّما بسبب تاريخهم الطويل في التأجيل وتضييع الفرص التي تسبّبت بها انقساماتهم إلى حدّ كبير. لقد خسر هؤلاء فرصتهم الأولى لإقامة دولتهم مع الأيّوبيّين، ثمّ وقعوا في صراع داخليّ بين من واجه بالقوّة دخول المغول إلى العراق وبين من أيّد التحالف مع الغزاة الجدد. وفي القرن الثامن عشر، تمكّن الزعيم الكرديّ كريم خان زَند  من استلام مقاليد الحكم في بلاد فارس قبل أن يطيح به القاجاريّون مستعينين، لسخرية القدر، بقبيلتين كرديّتين. وكان للصراع المسلّح بين الحزب الديموقراطي الكردستاني برئاسة بارزاني والاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ برئاسة جلال طالباني في أواسط تسعينات القرن الماضي، دوره في ضرب البيت الكرديّ الداخليّ، وإن لم تكن الظروف مؤاتية حينها للاستقلال.

 

أمّا اليوم، وبعد وقوف معظم القوى الإقليميّة والدوليّة ضدّ الاستفتاء الذي شكّل حلماً طويلاً للأكراد، يعيد هؤلاء استذكار قول مأثور تناقلته أجيالهم عبر التاريخ: "لا أصدقاء إلّا الجبال"           

آخر المقالات


ما هكذا تُستَعاد "القدس"

د. هاني صافي

لن تعودَ القدسُ عربيةً ما لم ينتفض العرب على الظلم والقمع والاستبداد، وما لم تصبح مجتمعاتُهم حرة، والديموقراطيةُ نهجَ حياتِهم.

بوتين يحلق في الفراغ الأميركي

سميح صعب

الاخطاء الاميركية تعيد للكرملين مكانته على الساحة الدولية أكثر من قوته الذاتية.

القدس وعين ترامب على ناخبي "نهاية الأزمنة" الانجيليين

جورج عيسى

في بداية 2018 تدخل الولابات المتحدة الانتخابات النصفية التي قد تضع سلطة الجمهوريين