سعد كيوان

2017 Sep 26




 

لم يكن نجاح الاستفتاء حول استقلال اقليم كردستان العراقي والنسبة المئوية التي سيحصل عليها موضع شك. السؤال يكمن في التوقيت والغاية منه. أثبت مسعود البرزاني انه قائد وطني حكيم ورجل دولة ايضا. فهو يرأس مجلس الاقليم منذ اثنتي عشرة سنة و"الحزب الديموقراطي الكردستاني" منذ ثمانية وثلاثين سنة، خلفا لوالده مصطفى البرزاني الذي أسس عام 1945 "جمهورية مهاباد" الايرانية، أول جمهورية كردية في التاريخ الحديث.

تمرس مسعود اذا كزعيم سياسي لأكبر حزب كردي يجيد مخاطبة الجمهور والتعاطي مع طموحاته وهواجسه، وفي كيفية الحفاظ على الوحدة والتماسك الداخلي عبر الحوار والتنسيق مع شريكه ونده "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي تزعمه الراحل جلال الطالباني، أول رئيس كردي للعراق. وقد مكنه ذلك من اعادة انتخابه رئيسا عام 2009 بنسبة فاقت 70 في المئة من الاصوات. ويتقن مسعود أيضا دوره كرئيس دولة عرف كيف يحافظ على مسافة وعلى هامش مناورة بينه وبين السلطة المركزية في بغداد. فهو اختبر حكم "البعثي" صدام حسين، واليوم يختبر حكومة الوصاية الايرانية. وهو يفاوض الحكومة العراقية بانفتاح ومرونة، ولكن في الوقت عينه بحزم وبحنكة وبرودة اعصاب. وعندما يفاوض بغداد يفاوضها كرئيس للجبهة الكردستانية التي تضم معظم الاحزاب والمنظمات الكردية، وليس فقط من موقعه كرئيسلأكبر حزب.

تجربة الحكم الذاتي كانت مريرة منذ زمن والده، الذي انتزعها عام 1970 بعد وصول "حزب البعث" الي السلطة، الا ان صدام انقلب في 1974 على الاتفاق منكلا بالأكراد والشيوعيين أيضا،بعد ان كان قد فتح أمام هؤلاء الآخرين جنة الحكم بتشكيل "جبهة وطنية" بين الحزبين واشراكهم في الحكومة. وبعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 واسقاط صدام، بدأت صفحة جديدة من التعاون شارك فيها الاكراد مع القوى والأحزاب العراقية في صيغة الحكم الجديدة باشراف ورعاية اميركية مباشرة شرذمت وطيّفت تركيبة الموزاييك العراقي. ومع انسحاب القوات الاميركية من العراق أخليت الساحة لايران التي أحكمت قبضتها على السلطة المركزية عبر رئيس الحكومة نوري المالكي، الذي راح يصعد المواجهة مع الأكراد محاولا زرع الشقاق في صفوفهم.

  ومع سيطرة "داعش" على الموصل سارعت قوات "البشمركة" الكردية الى بسط سيطرتها على مدينة كركوك، واعلنت قيادة الاقليم انه تم تطبيق المادة 140 الخاصة بمستقبل كركوك (أي اعتبارها جزءا من كردستان)، عندها اتهم المالكي الأكراد بالتآمر مع "داعش" في الموصل تمهيدا لتقسيم العراق. وما هي الا اسابيع قليلة حتى كان "داعش" يتقدم باتجاه اربيل عاصمة الاقليم، فيما كانت دفاعات "البشمركة" تتهاوى في مخمور وسنجار وزمار وغيرها من المدن والمناطق. وشكل تقدم "داعش" صدمة لاربيل وبغداد على السواء خاصة وانه تمخض عن مجازر ضد الايزيديين والاقليات التاريخية كالاشوريين والصابئة وغيرهم...

عندها قررت قيادة الكرديةترك بغداد ومشاكلها والتفرغ لمعركة الدفاع عن الاقليم، واستبسل الأكراد في القتال ونجحوا في تحويلها الى معركة في محاربة الارهاب.  واضطرت واشنطن عندها الى التدخل وتقديم الدعم والسلاح بعد ان كانت الادارة الاميركية قد قررت في وقت سابق الانسحاب وعدم العودة الى العراق. وكان لافتا ان قوات "وحدات حماية الشعب الكردي" في سوريا كانت اول الواصلين الى سنجار قبل وصول "البشمركة"، واللافت أكثر انها المرة الأولى في التاريخ التي يلتقي فيها مقاتلون اكراد من العراق وسوريا وايران وتركيا على أرض كردية للقتال معا في خندق واحد في معركة أطلق عليها البعض "معركة الشرف والكرامة". فيما كان المالكي يسحب الجيش العراقي ويسلم الموصل ل"داعش"، بعدما أصيب بهزيمة نكراء على أيدي "البشمركة".

ان البرزاني اذا في موقع قوة اليوم أمام هشاشة السلطة المركزية "المطيفة" في بغداد، مقدما تجربة حكم في الاقليم ناجحة سياسيا واقتصاديا وعمرانيا وأمنيا ومدينيا. يحاول ان يستفيد من مرحلة انتقالية تمر فيها المنطقة غير واضحة المعالم وغير مضمونة النتائج لكي يستقل ربما، وهذا من حق الأكراد في تقرير مصيرهم. ولكن على الأرجح لتحسين شروطه في التفاوض حول ملفات شائكة مثل النفط والعائدات المالية ووزن الأكراد في صناعة القرار في بغداد. فالبرزاني يعرف ان جيرانه الاتراك والايرانيين والسلطة في بغداد بامكانهم عزله ومحاصرته، بعد ان رميت عليه تهمة العمالة لاسرائيل! حتى الولايات المتحدة نصحته بان لا يفعل...

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

آخر المقالات


ما هكذا تُستَعاد "القدس"

د. هاني صافي

لن تعودَ القدسُ عربيةً ما لم ينتفض العرب على الظلم والقمع والاستبداد، وما لم تصبح مجتمعاتُهم حرة، والديموقراطيةُ نهجَ حياتِهم.

بوتين يحلق في الفراغ الأميركي

سميح صعب

الاخطاء الاميركية تعيد للكرملين مكانته على الساحة الدولية أكثر من قوته الذاتية.

القدس وعين ترامب على ناخبي "نهاية الأزمنة" الانجيليين

جورج عيسى

في بداية 2018 تدخل الولابات المتحدة الانتخابات النصفية التي قد تضع سلطة الجمهوريين