عصام الجردي

2017 Sep 29




انكشفت أزمة قانوني الضرائب وسلسلة الرتب والرواتب على واقع الحال الهشّ الذي بلغه لبنان ومؤسساته الدستورية وأسلوب ممارسة الحكم في لبنان. قرار المجلس الدستوري الذي ردّ قانون الضرائب رقم 45 برمته، رغم وجاهة المعطيات التي عرضها، خلا الشق المتعلق بالتشريع الضريبي من ضمن الموازنة الذي عاد رئيس المجلس عصام سليمان توضيحه، أثار جدلاً خطيراً في مكان آخر يتجاوز الضريبة والسلسلة. رئيس مجلس النواب نبيه بري اعتبر أن قرار المجلس الدستوري"تجاوز وتجرؤ على المجلس النيابي، واعتداء على صلاحيات رئيس المجلس، وخرق ل"اتفاق الطائف" بل وبداية قتله. من لا يُدرك هذه الحقيقة يُعاني مشكلة كبيرة ويضع لبنان امام مشكلة أكبر. وتفسير الدستور يعود فقط الى المجلس النيابي". وفُسر كلام بري أن "حكم المجلس الدستوري لم تأت به الملائكة"، غمزاً من قناة رئيس الجمهورية ميشال عون.

"اتفاق الطائف" كتب نهاية الحرب في لبنان، وباتت وثيقة الوفاق الوطني التي أقرها جزءاً لا يتجزأ من دستور لبنان. اعاد توزيع المؤسسات الدستورية حصصاً على الطوائف وأدخل تعديلات على صلاحيات تلك المؤسسات وآليات ممارسة السلطة من خلالها. سؤالنا: هل وصل حال الدولة الهشّة عندنا الى حدود "بداية قتل" وثيقة الوفاق الوطني لمجرد تباين وجهات النظر على قرار أعلى سلطة قضائية يتصل بالضرائب، أو بما يجاورها من تشريعات؟ الإجابة السهلة نعم في حال اعتُبر أي قرار للمجلس الدستوري أو لغيره افتئاتاً على صلاحيات مؤسسة دستورية أسندت رئاستها عرفاً لطائفة معينة، في هرم توزيع المؤسسات الدستورية على الطوائف اللبنانية. وفي صرف النظر عن صواب الاعتبار من عدمه. الخطورة في هذا الأمر، بناء الموقف المشار اليه على خلفية سياسية أكثر مما تتصل بأصول ممارسة السلطات ودستوريتها. وهذا شائع عندنا تلميحاً في حالات كثيرة. لكن بري كان مباشراً حيال قرار المجلس الدستوري من الضرائب. وقد عُرف عنه تمسكه الثابت ب"اتفاق الطائف" حتى مع حليفه في "حزب الله" حين سمعنا أكثر من مرة في السنوات الأخيرة مسألة عقد مؤتمر وطني جديد للخروج من أزمة نظام هيكلية. حتى "حزب الله" نفسه، لم تصدر عنه اشارة صريحة الى التخلي عن "الطائف".

أما الإجابة الأقرب الى الواقع، فيمكن ربطها بعمق الأزمة المالية والاقتصادية في البلاد. وبتداعياتها المحتملة على الهيكل السياسي والاجتماعي، لو استمررنا في سياسة التفلت المالي وإهدار الطاقات والموارد. وفي دوامة العجز والدين العام. من هنا كان قرار المجلس الدستوري برد قانون الضرائب. لم يعتبر تجاوز أصول التصويت على القرار في مجلس النواب شكلياً. له الحق في ذلك ولو أثار الأمر حفيظة رئيس مجلس النواب. الخلل في القرار الذي بدا في شرطية التشريع الضريبي من ضمن الموازنة قبل جلائه ببيان من رئيس المجلس الدستوري، إنما يعبر عن تمسك المجلس بأهم تشريع يصدر عن مجالس النواب في العالم وهو قانون الموازنة العامة كل سنة. ونحن بلا موازنة منذ نحو اثنتي عشرة سنة. انتهى مشروع قانون موازنة 2017 الموجود في مجلس النواب. وللعلم فمشروع قانون موازنة 2018 أيضاً، يجب دستورياً احالته الى مجلس النواب في عقد تشرين الأول من كل سنة. ويصوت عليه بنداً بنداً. حتى اذا حلّ اليوم الأول من كانون الثاني 2018، يكون لدينا موازنة بحسب الأصول. أما قطع الحساب الشرطي دستورياً أيضا بموجب المادة 87 لموازنة السنة السابقة قبل اقرار الموازنة الجديدة فقد بات من الماضي. لا "الإبراء عاد مستحيلاً"، ولا "الإفتراء في معرض الإبراء" قائم. الحلف السياسي بين "التيار الوطني الحر" و"تيار المستقبل"، تمّ تفعيله لتجاوز العقبة الكؤود! من هنا رفض بري تعديل المادة 87 من الدستور لحساب التوافق الذي أنتج رئيساً للجمهورية ورئيساً للحكومة. فكان المخرج المعروف في جلسة مجلس الوزراء الجمعة الماضي.

المواطن بات مع أي قرار تتخذه هيئة قضائية ضد مماسات السلطة السياسية. يبحث عن رجال شجعان في القضاء ونزهاء. ولو كان تعيينهم  من نتاج السلطتين التنفيذية والتشريعية. لم نصل الى ما وصلنا اليه لو كنا في حكم الدستور والقانون. تشدد المجلس الدستوري في شمولية الموازنة وعدم تخصيص الموارد وسنويتها وقطع الحساب، لا يستوي مع منطوق الدستور فحسب، بل ولدرء الفساد والإهدار الماليين. في غياب الموازنة بحسب الأصول، لم يعد المواطن يعلم حدود الخزانة من حدود الموازنة العامة. العجز المحقق أكبر من العجز المقدر. فنغرف بلا حساب من الخزانة. والقاعدة الإثنتي عشرية لا تصلح دستورياً سوى لشهر واحد استثناء لزوم تسيير شؤون الدولة واستمراريتها. ومجلس النواب يدرك جيداً عدم دستورية تخصيص موارد قانون الضرائب لتمويل سلسلة الرتب والرواتب. مع الدعم الكامل للحقوق التي لحظها قانون السلسلة، فهي لا تطال عمال لبنان وموظفي القطاع الخاص الذين سيخضعون للضريبة من دون تصحيح أجورهم في مقابل غلاء المعيشة. هذا شكل من أشكال الارباك الذي وصلت اليه ممارسة السلطة في نظام متعدد الرؤوس وغياب الرقابة والمساءلة. أهم خلل بنيوي في المجلس الدستوري بالاضافة الى تعيين أعضائه هو عدم صلاحيته في التحرك عفواً وتلقائياً في وجه القوانين المخالفة للدستور من دون تقديم الطعون. بيد أن ولاية المجلس نفسه انتهت منذ أكثر من عامين. وما زال مستمراً لعلة في "مصلحة الدولة العليا". أليس المسوغ نفسه استند اليه المجلس لعدم الطعن بدستورية التمديد لمجلس النواب تكراراً؟ وفي مخالفة الدستور بعدم اجراء الانتخابات النيابية الفرعية لمراكز شغرت؟ ألا يصبح كلام بري مسموعاً والحال هذه حين يقول "أن رد قانون الضرائب لم تأت به الملائكة"؟

 

نقول ذلك موقنين، في أن تدبيراً أحادياً لم يعد ينفع لوقف الانحدار المالي في نظام متعدد الرؤوس متنازع الصلاحيات. وسنشهد المزيد من المعارك على جمر الأزمات طالما أن المخرج ذو صلة عضوية باهدار الموارد التي يعدها سدنة النظام لزوم بقائهم على صدر "الشعب الصبور". 

آخر المقالات


ما هكذا تُستَعاد "القدس"

د. هاني صافي

لن تعودَ القدسُ عربيةً ما لم ينتفض العرب على الظلم والقمع والاستبداد، وما لم تصبح مجتمعاتُهم حرة، والديموقراطيةُ نهجَ حياتِهم.

بوتين يحلق في الفراغ الأميركي

سميح صعب

الاخطاء الاميركية تعيد للكرملين مكانته على الساحة الدولية أكثر من قوته الذاتية.

القدس وعين ترامب على ناخبي "نهاية الأزمنة" الانجيليين

جورج عيسى

في بداية 2018 تدخل الولابات المتحدة الانتخابات النصفية التي قد تضع سلطة الجمهوريين