عصام الجردي

2017 Oct 03




 

بالقمع الوحشي تصدت مدريد لمواطني كاتالونيا يوم الاستفتاء على استقلال الاقليم عن إسبانيا نهاية أيلول الماضي. المشهد غير مألوف في دول الاتحاد الاوروبي في الألفية الثالثة. اعتقدنا وهلة أولى أن المشهد في عاصمة عربية  لنظام ديكتاتوري "ممانع". أنعش ذاكرة الإسبان ليستحضروا من جديد ممارسات الديكتاتور فرنسيسكو فرانكو وكتائب الفالانج التي لم ينج منها حتى أيقونة اسبانيا واوروبا العبقري بابلو بيكاسو. رئيس الحكومة ماريانو راخوي أرسل شرطته من العاصمة لتنكب المهمة. صدق حدسه. إذ سرعان ما اعلنت قيادة شرطة كاتالونيا، إنها غير جاهزة لتنفيذ تعليمات القيادة في العاصمة. كان ذلك أشبه بالعصيان على المركز، قبل أن تنقشع نتائج الاستفتاء عن 90 في المئة قالوا نعماً للانفصال.

الاتحاد الاوروبي في موقف حرج. ضد القمع الذي لا يتفق ومبادىء الاتحاد. سيرعى حوراً كما أعلن بين مدريد وبين برشلونة. لكنه لن يوافق قطعاً على الانفصال. ركنا الاتحاد برلين وباريس قالا لا للانفصال. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصل براخوي وأبلغه دعمه وحدة أسبانيا، قال بيان صدر عن الإليزيه. خلافاً لذلك، لَتساقط البازل الاوروبي المترنح. فعلى الكتف حمّال. الفلمنكيون في بلجيكا. والكورسيكانز في فرنسا. والترانسفيليانز في رومانيا. من دون أن ننسى اقليم الباسك الإسباني الذي حاز حكماً ذاتياً بعد صراع دموي طويل قادته منظمة إيتا. شبَه الجيش الجمهوري الايرلندي قبل حل الأزمة بين دبلن وبلفاست. والاتحاد الاروروبي لم يستوعب بعد "بركسيت" التاج البريطاني. ولم يعترف بانفصال شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا. علماً، أن حكومة كاتالونيا أعلنت عزمها الانضمام الى الاتحاد الاوروبي بعد الانفصال. الأمر غير كافٍ. فدستور الاتحاد الاوروبي يشترط موافقة جميع الدول الأعضاء على اكتساب عضوية جديدة. لو وافقت 27 دولة فإسبانيا لن توافق. وإلاّ فكل هذه الجلبة في غير مكانها. 23 دولة في الاتحاد اعترفت بكوسوفو. وبقيت خارجه بمعارضة 5 دول. رغم الدعم العسكري والسياسي الكبير الذي تلقته من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي في حربها مع الصرب. المفوضية الاوروبية تقتفي أثر ما يعرف "مبدأ برودي" الذي كرسه رئيس المفوضية السابق رومانو برودي. يتيح لدولة انفصالية عضوية الاتحاد. شريطة استفتاء بحسب الدستور. دستور إسبانيا يحظر الانفصال نصاً صريحاً.

الحزب الشعبي الذي يرأسه راخوي، تمكن من الحكم بتأثير الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد منذ 2009 بعد الأزمة المالية العالمية في 2008. تداعياتها كانت قاسية على إسبانيا. بطالة من 23 في المئة قبل أن تتراجع حالياً الى 17.5 في المئة. وركود أطبق على صدر الإسبان قبل أن يبدأ النمو في التحسن الى فوق 3 في المئة 2016. ويتوقع نحو 2.6 في المئة 2017 بحسب وكالة الاحصاء المركزي الإسبانية. ونقتبس من تجربة الأزمتين المالية والبطالة الاوروبية، نزوع الأحزاب الشعبوية والقومية للوصول الى السلطة بعناوين اقتصادية واجتماعية. في كاتالونيا لا يبتعد المشهد نفسه كثيراً عن الواقع. ولو معكوساً في الجانب الاقتصادي.

كاتالونيا وعاصمتها برشلونة تاج الاقتصاد الاسباني. بينما التاج السياسي على رأس فيليب السادس في مدريد. لم ينتقل اليه من والده خوان كارلوس قبل 42 عاماً بعد وفاة فرانكو في 1975 فحسب، بل وانتقل معه إرثٌ من الحروب بين الاقليم وبين مدريد على خلفية الانفصال. لم تكن مجرد صدفة قول رئيس حكومة اقليم كاتالونيا كارل بويغديمونت بأنه يزمع بعد تأييد الانفصال على اعلان قيام جمهورية كاتالونية يوم 6 تشرين الأول الجاري. أي بعد 83 عاما بالضبط من إعلان لويز كومبانيز الكاتالوني استقلال الاقليم. لم ينتظر فرانكو. أعدمه شنقاً "عبرة لمن يعتبر". ولم يعتبر الكاتالونيون. فكاتالونيا ضُمت قسراً الى أسبانيا في القرن الخامس عشر. من الطرائف أن تكون نتاج عاشقين. ملك آراغون الأسباني فرديناند أُغرم بملكة قشتالة الكاتالونية إيزابيلا. فتزاوجا وتوحدت المملكتان! حصلت كاتالونيا على استقلالها حين أصبحت أسبانيا جمهورية في 1931. بعد مجيء فرانكو وتحول النظام ملكياً من جديد ضمها عنوة في 1939 وأخضعها لمدريد.

الحزب الشعبي بقيادة راخوي وصل في زمن القِلة والأزمة المالية. الكاتالونيون بقيادة المحافظين كانوا في وضع اقتصادي أفضل بكثير وما زالوا. تغذى النزوع على الانفصال ليحافظوا على وضع الوفرة. مقارنة المؤشرات الاقتصادية بين كاتالونيا وبين إسبانيا تظهر بوضوح ما يعتبره الكتالونيون إجحافاً. تسهم كاتالونيا بنحو 19 في المئة من الناتج المحلي الأسباني بأرقام 2016. بينما تحصل من موازنة مدريد على 16 في المئة. الدخل الفردي الى الناتج 28 ألف يورو. 24 ألفاً المؤشر على المستوى الوطني. لكن وراء مدريد واقليم الباسك الذي حصل على استقلال واسع لا يحوزه اقليم كتالونيا. البطالة 13.1 في المئة. 17.5 في المئة على المستوى الوطني. الدين العام الى الناتج 35 في المئة. 100 في المئة على مستوى إسبانيا. بحسبة بسيطة، تعني أن كاتالونيا مطالبة بسداد 65 في المئة من الدين على المستوى الوطني. كاتالونيا مركز رئيسي للصناعة في إسبانيا. منتج السيارات الثاني بعد ألمانيا في الاتحاد الاوروبي. القيمة الاجمالية المضافة من القطاع الصناعي الكاتالوني تشكل 16.7 في المئة، لقاء 13.4 في المئة على المستوى الوطني. و15.8 في المئة في الاتحاد الاوروبي. برشلونة العاصمة استقطبت 19 مليون سائح في 2016. ربع عدد السائحين على المستوى الوطني. من دون أن ننسى فريق برشلونة لكرة القدم "حصرمة ريال مدريد" المدعوم بلا حدود من البلاط الملكي الذي بات يستقطب الى الاقليم سائحين بالملايين سنوياً. وفي الاقليم ثلاثٌ من أرقى جامعات العالم بتصنيف مؤسسة شانغهاي. ومراكز بحوث وتكنولوجيا عالية الجودة تمد إسبانيا بالمهارات والابتكارات. وليس على وجه الحصر.

لا نغالي القول أن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي ليس أعمق أثراً من انفصال كاتالونيا عن إسبانيا. لو خرجت الأولى تخرج دولة. الثانية من شأنها أن توقد القوميات والإثنيات الاوروبية الموجودة في كل دول الاتحاد. زمننا لا يعمل للوطنية الاوروبية. أزمات الاقتصاد والانقضاض على المكتسبات الاجتماعية في اوروبا، وأزمات اللاجئين والارهاب، آفات يتغذى منها النزوع نحو القومية واليمين المتعصب والعنصرية. الدومينو الاوروبي يترنح في برشلونة.

 

 

 

 

آخر المقالات


نطلب المستحيل.. نحن في المُحال

عصام الجردي

ستبقى قطوع الحسابات "مسمار جحا"، يستخدم غب الطلب على إيقاع الفساد تارة" والعفة طوراً. ودستورنا كشعبنا "غفورٌ رحيم"!

استراتيجيّة ترامب الإيرانيّة نصف فوز... على المقرّبين منه

جورج عيسى

لا ينظر "الحرس الثوريّ" بارتياح إلى "الحلّ الوسط" الأميركيّ ... يكفي النظر إلى ما جرى في كركوك يوم أمس

كيف نحمي رؤوسنا من الهواتف الذكية؟

ليبانيز كورا

خطوات بسيطة تساعد على تفادي الاوجاع التي قد تسببها التكنولوجيا الحديثة