جورج عيسى

2017 Oct 03




هو زمن الديناميّات السياسيّة المثيرة للجدل. وهو أيضاً زمن ذلك الخطّ الدقيق الفاصل بين العالم الافتراضيّ والعالم الواقعيّ. أشار الباحث والدكتور الفرنسيّ في علوم الاتصال والمعلومات تييري غودان، إلى تزامن سقوط الاتّحاد السوفياتيّ مع تخطّي نسبة التواصل بين مواطنيه 10%. سقوط حواجز المسافات بين البشر تجعل حكم الأنظمة الاستبداديّة أكثر صعوبة. لكنّ إزالة العوائق عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ والتقنيّ لم تعنِ حكماً انصهار الجماعات أو تحوّل العالم إلى قرية كونيّة كما تخيّل المثاليّون ذلك. الأمميّة والعالميّة تتحطّم تحت مطرقة الهويّات التي ترفض أن تنطفئ كرمى لأيّ تطوّر تقنيّ، مهما تغنّى بتواصليّته. على العكس من ذلك، الهويّات  تستفيد منه وتغذّي جذوتها عليه.

في أقلّ من أسبوع، أعلن مجتمعان رغبتهما بالانفصال عن المجتمعات الأخرى التي يتقاسمان معها الأرض والثروات نفسها أو بعضها: الأكراد والكاتالان. المجتمعان أيّدا وباركا النتيجة لبعضهما البعض. الأرقام التي أيّدت الانفصال تخطّت حاجز 90% من أصوات الناخبين. لكنّ تلك النسبة المئويّة الكبرى، تبقى مع ذلك فاقدة لعنصر المفاجأة بالنسبة إلى طرفي النزاع. أساساً لم يتوقّع حتى المشكّكون بشرعيّة الاستفتاء نسبة أقلّ من تلك التي سُجّلت في مراكز الاقتراع. الدول المعنيّة بانفصال الأكراد والكاتالان على بيّنة تامّة بشعور غالبيّة أبناء هاتين الأقلّيتين. لم تقع أيّ منها في أوهام معاكسة. ربّما الأوهام الوحيدة التي عوّلت عليها كانت في احتمال إحجام قادة "الانفصاليّين" عن وضع قطار الاستقلال على سكّته.

مبدأ "حق الشعوب في تقرير مصيرها" كان ولا يزال مبدأ مطّاطاً. إنّه المبدأ نفسه الذي فشلت عصبة الأمم في تطبيقه وانتقل الفشل إيّاه إلى عهد الأمم المتّحدة. من الرئيس الأميركي وودرو ولسن إلى المعسكر الاشتراكي، ظلّ هذا المبدأ برّاقاً، طالما أنّ الجدل لم يحسم أو لم يتطرّق إلى تحديد هويّة هذه "الشعوب" التي تريد أن تقرّر مصيرها... وكيف. هكذا، زاوج نظام ما بعد الحرب العالميّة الثانية بين مبدأين: "حقّ الشعوب في تقرير المصير" وتأكيد "مبدأ السيادة الوطنيّة". لكن ماذا لو أراد أحد الشعوب في دولة معيّنة، "أن يقرّر مصيره" بعيداً عن "السيادة الوطنيّة" المتجسّدة في الحكم المركزيّ؟

أشار نصّ إعلان مبادئ القانون الدوليّ المتعلّقة بالعلاقات الودّيّة والتعاون بين الدول والصادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة سنة 1970 إلى أنّه "لا يُسمح بتفسير ما ورد في هذا الإعلان على أنّه يشجّع أيّ عمل من شأنه أن يمزّق أو يخلّ جزئيّاً أو كلّيّاً بالسلامة الإقليميّة أو الوحدة السياسيّة للدول المستقلّة ذات السيادة ... ".

بهذا، يكون المجتمع الدوليّ فسّر "الشعوب" بأنّها مجموعة السكّان التي تعيش في الدول التي رسم خرائطها الاستعمار بشكل أو بآخر، بغضّ النظر عمّا إذا كان المستعمر أخذ بالاعتبار تطلّعات الشعوب وتنوّعها قبل تحديده تلك الخرائط. وهذه كانت حالة الأكراد الذين يشكون من بعثرة اتّفاقيّة سايكس بيكو لطموحاتهم منذ أكثر من مئة عام. كما أنّ للكاتالان مشكلتهم الخاصّة التي وُلِدت قبل نشوء الحركة الاستعماريّة، حين تزوّج فرديناند الثاني حاكم مملكة أراغون التي كانت تضمّ كاتالونيا بإيزابيلّا الأولى حاكمة كاستيا (وسط وغرب إسبانيا) في أوساط القرن الخامس عشر. وشكّل ذلك بداية للملكيّة الإسبانيّة الموحّدة. لكن مع رجحان القوّة باتّجاه ممكلة كاستيا خلال السنوات والقرون اللاحقة بدأ الكاتالان يُحرمون من التجارة مع المستعمرات الأميركيّة.

في سياقٍ موازٍ، يبقى صعباً عزل المقاربات القوميّة والانفصاليّة عن العنصر الاقتصاديّ. فإذا شكّل استفتاء كردستان العراق عاصفة سياسيّة، فإنّ كركوك هي عين تلك العاصفة بامتياز. وعلى عكس أعاصير الطبيعة التي تكون عينها (مركزها) هادئة نسبيّاً، تبرز كركوك المتنازع عليها كنقطة صراع جوهريّ بين إقليم كردستان وحكومة بغداد. فهي ليست غنيّة بالنفط وحسب، وإنّما تستقرّ، إضافة إلى مناطق كرديّة أخرى، على حوالي ربع حقول النفط في البلاد. أمّا النسبة الباقية فموجودة بمعظمها في الجنوب، الأمر الذي يمكن أن يوقع العراق في صراع كبير بسبب غياب توزّع الحقول النفطيّة بالحدّ الأدنى من التساوي الجغرافيّ. يضاف إلى ذلك أصلاً أنّ الاقتصاد العراقيّ مرتكز بشكل شبه كامل على إنتاج النفط.

وكما ساهم الصراع الاقتصادي والماليّ (تجميد حصّة الإقليم من الموازنة العامّة) في إشعال فتيل الاستفتاء الكرديّ، كذلك، كان العامل نفسه حاضراً بقوّة في الاستفتاء الكاتالونيّ. في منطقة تشكّل حوالي 19.7% من الناتج المحلّي الإجماليّ لإسبانيا، تصبح مسألة الاستقلال متنفّساً طبيعيّاً لدى الكاتالان لاستعادة الثروات "المهدورة" من الحكم المركزيّ. ويتحدّث هؤلاء عن أنّهم يشكّلون 16% من الشعب الإسبانيّ ويدفعون 20% من الضرائب فيما يحصلون على 14% من العائدات الضريبيّة للنفقات الرسميّة.

مع تداخل العناصر الدينيّة واللغويّة والثقافيّة والاقتصاديّة (أو طغيان واحدة على أخرى) في تكوين الوعي الجماعيّ لشعب معيّن، يمكن أن يتغذّى الشعور القوميّ كما في المثلين المذكورين ب "مظلوميّة" إنتاجيّة تقترن ب "مظلوميّات" أخرى تاريخيّة وسياسيّة ووجوديّة، صحيحة أحياناً ومبالغ بها أحياناً أخرى.  

لكنّ حكاية الاستفتاءات لم تنتهِ هنا. بعد كردستان وكاتالونيا، يأتي دور شعوب جديدة راودها حلم الانفصال منذ زمن. الكاتب آين بريمر في مجلّة "تايم" الأميركيّة يتحدّث عن شعب إيغبو في جنوب نيجيريا الذي أعلن قيام دولة بيافرا المستقلّة سنة 1967 فدخل في حرب مع الدولة المركزيّة لثلاث سنوات خسر فيها مليون مواطن فاضطرّ للرّضوخ والعودة عن خطوته. لكنّ هزيمة تيّار انفصاليّ على الميدان ليس هو نفسه هزيمة روح هذا التيّار كما يتوقّع الكاتب: "حلم بيافرا ما زال حيّاً".

الشعور نفسه ينبض في العروق السياسيّة للتحالف البلجيكيّ الجديد وهو حزب انفصاليّ يجسّد طموحات الفلامان، قوميّة ناطقة باللغة الهولنديّة في بلجيكا. وبينما يشكّل الناتج المحلّي للفرد لدى الوالون (الناطقين بالفرنسيّة) 88% من المعدّل العام لدول الاتّحاد الأوروبّي يسجّل الفلامان حوالي 120% أعلى من هذا المعدّل. يضاف إلى هؤلاء شعوب شرق أوكرانيا المدعومة من الروس لوهانسك ودونيتسك التي تطالب بالانفصال عن حكومة كييف.

لتلخيص صورة تصرّف الحكومات المركزيّة مع المطالبين بالاستقلال أو الانفصال، يقدّم سايم جنكينز مشهداً معقّداً في صحيفة "ذا غارديان" البريطانيّة بدون أن يغفل عن شرح أسباب هذا التعقيد:

"دافعت بريطانيا عن تمنّي سكّان الفوكلاند ببقائهم بريطانيّين، لكنّها لم تفعل ذلك مع سكّان هونغ كونغ أو دييغو غارسيا. ذهبت بريطانيا للحرب من أجل البوسنة وكوسوفو للانفصال عن يوغوسلافيا وصربيا على التوالي. ستكون مسرورة إذا صوّتت إيرلندا الشماليّة للانفصال ثمّ إعادة الانضمام إلى جمهوريّة إيرلندا، ومع ذلك، هي عارضت بشدّة الاستقلال الاسكتلندي". وأضاف: "الانفصال هو مفهوم مليء بالمعايير المزدوجة".

 

 


 

آخر المقالات


نطلب المستحيل.. نحن في المُحال

عصام الجردي

ستبقى قطوع الحسابات "مسمار جحا"، يستخدم غب الطلب على إيقاع الفساد تارة" والعفة طوراً. ودستورنا كشعبنا "غفورٌ رحيم"!

استراتيجيّة ترامب الإيرانيّة نصف فوز... على المقرّبين منه

جورج عيسى

لا ينظر "الحرس الثوريّ" بارتياح إلى "الحلّ الوسط" الأميركيّ ... يكفي النظر إلى ما جرى في كركوك يوم أمس

كيف نحمي رؤوسنا من الهواتف الذكية؟

ليبانيز كورا

خطوات بسيطة تساعد على تفادي الاوجاع التي قد تسببها التكنولوجيا الحديثة