جورج عيسى

2017 Oct 10




سنة 1926 كان الاتّحاد السوفياتي أوّل دولة غير عربيّة تعترف بمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها قبل أن تتحوّل سنة 1932 إلى المملكة العربيّة السعوديّة. سنة 1991 ردّت الرياض الجميل فسارعت إلى الاعتراف بروسيا عقب تفكّك الاتّحاد السوفياتي. على الرّغم من "تبادل الخدمات الديبلوماسيّة" المتباعد زمنيّاً، عرفت السنوات السبعون التي جمعت الدولتين خلال القرن العشرين مطبّات عديدة، منها ما هو عقائديّ ومنها ما هو سياسيّ. ومع مطلع الألفيّة الثالثة، شهدت العلاقة الثنائيّة أوّل دفع جدّي أثناء زيارة الملك السعوديّ عبدالله بن عبد العزيز موسكو، كوليّ للعهد، سنة 2003، قبل أن يعود الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين ويزور العاصمة السعوديّة سنة 2007.

سنة 2011، دخل الملفّ السوريّ في دائرة التجاذبات الإقليميّة والدوليّة وعلى الرّغم من الانخراط الروسيّ العسكريّ سنة 2015 في سوريا، لم تتدهور العلاقة بين الطرفين. على العكس من ذلك، رسمت تلك السنة المدخل الحقيقيّ إلى التطوير الملموس للأواصر الثنائيّة، فحلّ وليّ وليّ العهد (آنذاك) الأمير محمّد بن سلمان ضيفاً على روسيا مرّتين في ذلك العام. واتّفق حينها مع بوتين على إنشاء صندوق استثماريّ مباشر بقيمة 10 مليارات دولار. وعاد بن سلمان ليزور روسيا في أيّار الماضي ممهّداً للقمّة الروسيّة السعوديّة التي شهدتها موسكو يوم الخميس الماضي عندما استقبل بوتين الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز.

لم تكتسب تلك القمّة أهمّيّتها من حيث كونها الزيارة الأولى لعاهل سعوديّ إلى موسكو وحسب. فبين أيّار (القمّة العربيّة الأميركيّة في الرياض) وتشرين، خمسة أشهر فقط تكفّلت بإبراز قدرة السعوديّة على تعديل مركز ثقل تحالفاتها. كما أظهرت هذه الأشهر إصرار الروس على الدخول إلى دائرة نفوذ كانت تقليديّاً أميركيّة التوجّه. لقد برهنت الزيارة تمتّع الدولتين بمرونة استثنائيّة جعلتهما تتخطّيان أكثر الملفّات سخونة في المنطقة: سوريا، النفط، العلاقة العسكريّة مع إيران.

لقد خرجت القمّة بعدد من الاتّفاقات ومذكّرات التفاهم الاقتصاديّة التي تخطّت  الثلاثة مليارات دولار. وقد اتّفق الجانبان على تأسيس صندوق استثماريّ مشترك بقيمة مليار دولار في مجال الطاقة وآخر في مجال التكنولوجيا أيضاً بقيمة مليار دولار. وتمّ التوقيع على اتّفاقات في الصناعات البتروكيميائية وشقّ الطرق والبنى التحتيّة والزراعة. أمّا وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف فتحدّث عن اتفاقات تشمل الفضاء والطاقة النوويّة السلميّة. ومنذ القفزة النوعيّة في العلاقات الثنائيّة سنة 2015 إلى اليوم، لم يصل حجم التبادل التجاريّ إلى الملياري دولار وهو رقم ضئيل بالنسبة إلى دولتين تتمتّعان باقتصادين يقعان ضمن الاقتصادات العشرين الأقوى عالميّاً. لكنّ هذا المشهد سيتغيّر إذ سيصل حجم التبادل خلال السنوات الخمس المقبلة إلى حوالي 10 مليارات دولار.

من جهة ثانية، لم يكن التعاون النفطيّ بين أكبر دولتين منتجتين للنفط عالميّاً غريباً عن سياق التعاون الذي بدأ في تشرين الثاني سنة 2016 لخفض إنتاج النفط بحدود 1.8 مليون برميل يوميّاً. وجاء هذا التعاون بين "أوبك" والدول التي لا تنتمي للمنظمة وعلى رأسها روسيا من أجل تعافي أسعار السوق. وبعدما عجزت هذه السياسة عن تحقيق النتائج المرجوّة في النصف الأوّل من هذه السنة، تمّ تمديد الاتّفاق إلى آخر آذار 2018.

لكنّ التعاون في الشقّ العسكريّ كان أكثر ما لفت أنظار المراقبين حول العالم. فقد توصّل الجانبان إلى اتّفاق تشتري السعوديّة بموجبه منظومة مضادّة للدروع من نوع "كورنيت أم" وراجمة صواريخ "توس أي-1" وراجمة قنابل "أي جي أس 30" ومجموعة من الأسلحة الرشّاشة. أمّا أهمّ ما شملته تلك الصفقة فهو شراء السعوديّة لمنظومة الدفاع المتطوّرة أس-400 التي تعتبر سلاحاً استراتيجيّاً قادراً على إرساء مظلّة دفاعيّة تغطّي بضعة آلاف الكيلومترات.

في محاولة للتخفيف من مفاعيل تلك الصفقة على الصعيد الإقليميّ، قال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إنّ هذا التعاون غير موجّه لأي طرف وغير هادف إلى إثارة أي مخاوف. لكن على الرّغم من هذا الكلام التطميني، يصعب وضع ذلك الاتفاق ضمن إطار أقلّ من حجمه الحقيقيّ. عمليّاً، لم تستطع إيران نفسها التي تشترك مع روسيا في تحالف عسكريّ وسياسيّ في سوريا أن تشتري هذه المنظومة. حتى النسخة الأقدم منها، أس-300، لم تتمكّن من الحصول عليها إلّا بعد مماطلات دامت لسنوات. وهذا ما يرفع نسبة الشكوك في طهران تجاه النوايا الروسيّة في المنطقة، خصوصاً أنّ خلافات علنيّة طفت إلى سطح العلاقة الثنائيّة أكثر من مرّة خلال السنتين الأخيرتين.

إيران لن تكون الدولة الوحيدة غير الراضية عن هذا الاتفاق. نسبة القلق لدى الولايات المتّحدة قد تتخطّى تلك الموجودة لدى طهران. فواشنطن لا تستطيع تقبّل فكرة شراء حليفتها التقليديّة لهذه الصواريخ، بعدما توجّهت الرياض بطلب شراء أسلحة أميركيّة في أيّار الماضي بحوالي 110 مليارات دولار. وهي تعلم أنّ جيشها هو الذي شكّل درع حماية متقدّمة لدول الخليج من عراق صدّام ومن إيران الثورة. لكنّ شيئاً ما يتبدّل في النظرة السعوديّة إلى الولايات المتّحدة. صحيح أنّ قسماً من صنّاع القرار في واشنطن حاول تجميد صفقات بيع الأسلحة إلى السعوديّة بسبب خلافات حول الأزمة الخليجيّة مع قطر والحرب اليمنيّة. لكنّ النظرة السعوديّة تتجاوز هذه الإشكاليّة إلى ما هو أبعد منها.

لقد انتشر الروس في سوريا ليوسّعوا موطئ قدمهم في الشرق الأوسط ويتقاسموه عمليّاً مع الأميركيّين. وقد فهمت الرياض أنّ حضور موسكو شرق أوسطيّاً بات عنصراً مفروغاً منه حتى قبل تبدّل موازين القوى في سوريا. فعلى سبيل المثال، بدأ التفاوض على شراء هذه المنظومة منذ سنة 2015 على الأقلّ. وفي الأساس، شرعت السعوديّة تعدّل نظرتها إلى الأميركيّين منذ عهد أوباما وسياساته المهادنة لإيران.

وبالرّغم من ذلك، ما زالت إشارات واشنطن متضاربة. خلال زيارة الملك السعوديّ لروسيا، أعلنت وزارة الخارجيّة الأميركيّة عن بيع منظومة "ثاد" الدفاعيّة (15 مليار من أصل صفقة ال 110 مليارات) إلى السعوديّة. "أس 400" حرّكت "ثاد"؟ ربّما. لكن خلال الزيارة أيضاً علّق البنتاغون مناورات عسكريّة مشتركة مع دول الخليج بسبب الخلاف الداخليّ الذي دخل شهره الخامس. هي إشارات متناقضة ترسلها واشنطن إلى السعوديّة.

لكنّ التخبّط مفهوم. شراء السعوديّة للمنظومة الروسيّة خبر مزعج للأميركيّين. فبالامس الرياض وقبلها أنقرهو... يبدو أنّ صفقات بيع روسيا "أس 400" لحلفاء واشنطن التقليديّين لا تأتي فرادى.

  

 

آخر المقالات


ما هكذا تُستَعاد "القدس"

د. هاني صافي

لن تعودَ القدسُ عربيةً ما لم ينتفض العرب على الظلم والقمع والاستبداد، وما لم تصبح مجتمعاتُهم حرة، والديموقراطيةُ نهجَ حياتِهم.

بوتين يحلق في الفراغ الأميركي

سميح صعب

الاخطاء الاميركية تعيد للكرملين مكانته على الساحة الدولية أكثر من قوته الذاتية.

القدس وعين ترامب على ناخبي "نهاية الأزمنة" الانجيليين

جورج عيسى

في بداية 2018 تدخل الولابات المتحدة الانتخابات النصفية التي قد تضع سلطة الجمهوريين