عصام الجردي

2018 Aug 08




كلما اقترب الزمن من الدخول الى ملف معضلة الكهرباء وتابعها كارتيل الفيول أويل والمازوت، تتظهر أكثر فأكثر صورة الفساد المالي والسياسي والاداري. المشهد حتى كتابة السطور بانورامي ومدهش. لا تفي مفردة توصيفه.

معركة حتى العظم تتعلق بامتياز كهرباء زحلة. ستتفاقم في الأسابيع والشهور المقبلة. على الورق، تنتهي مدة الامتياز في 31 كانون الأول 2018. لو كنا في دولة دستور وقانون ومؤسسات، لانتهى الامتياز في 1996. أي منذ 22 عاماً. ادارة شركة كهرباء زحلة حركت العمال فتظاهروا واعتصموا "للحفاظ على لقمة عيشهم". ذلك أن من شيم أصحاب الأعمال عندنا، "لقمة عيش العمال وأسرهم وحقوقهم". الباخرة الثالثة الشهيرة عائشة التي تحول اسمها إسراء منذ  دخولها المياه الاقليمية اللبنانية ، ربطت في محطة الزوق بعد رفضها في الجية من سكان الجوار والحزب التقدمي الاشتراكي. تكرر الأمر نفسه من حركة أمل. حين حاول وزير الطاقة والمياه سيزار أبي ربطها في الزهراني. طاف الوزير الموهوب بالباخرة. فحطّ بها في الزوق نكاية بحركة أمل ونكداً. فتنفس وكلاؤها ووكلاء الوكلاء الصعداء. انتهى الأمر من هذه "الباخرة اللعينة" التي ترتبت عليها "التزامات قدرية لا رادّ لها". تداعى لقرار الوزير زميله في "تكتل لبنان القوي" نائب كسروان روجيه عازار. فبشّر أهل القضاء والجوار أن انعموا بالتيار 24/24. ها نحن "نعمل ونسوي". من قال لكم "إنهم لا يدعوننا نعمل ويعرقلوننا لأسباب سياسية"؟ أصحاب المولدات الكهربائية غاضبون يزمجرون كتجار التوابيت. جذورهم قوية في المنطقة. شابكون مع معظم البلديات ورجال السياسة. ولا نحسبهم بلا حماية سياسية.

لا تنسوا أن وكلاء الباخرة الجزيلة الاحترام، و"وكلاءهم أصحاب النوايا الحسنة والأيدي النظيفة"، سيغدوقون علينا شهوراً ثلاثة من التيار الكهربائي مجاناً. سنتخيل السيناريو الآتي: في 20 تشرين الأول يفترض أن تيمم "إسراء المصونة العفة" الى خارج لبنان. اذا تم ربطها الخميس ( 9 آب 2018 ) على شبكة الزوق وبدأت في العمل، يكون قد فاتنا من حسنات الباخرة وهِبتها 20 يوماً. حسناً، أهالي كسروان والمتن، وجزء من جبيل الذين نالوا حقبة طويلة من غُرم تلوث معمل الزوق من دون نعمة الكهرباء، من الطبيعي ألاّ يتقبلوا العودة الى هذه الدوامة بعد رحيل إسراء في 20 تشرين الأول. ما الذي سيحصل؟ الحل بسيط. إبرام عقد مع الباخرة لعامين أو ثلاثة. وإلاّ، لخرج علينا الوزير الموهوب ومعه الوزير جبران باسيل لتكرار المعزوفة البائسة، "تفضلوا.. جئناكم بالنور ويرويدن لكم العتمة. على طريقتهم لا يدعوننا نعمل"..

شركة كهرباء زحلة حالها لا يختلف كثيراً عن الباخرة إسراء سوى في الحجم والريع والامتياز الخاص السخي جداً والمنتج أرباحاً طائلة. لن يرضى أهالي زحلة شمولهم بالتقنين والقطع الكهربائي بعد نهاية الامتياز في 2018. هناك أيضاً العتمة أو شروط الشركة. الضجة التي ثارت في الأسابيع الأخيرة ومستمرة على أسعار التيار التي تفرضها الشركة خلافاً لشروط عقد الامتياز ليس رأس جبل الجليد. الامتياز حوّل الشركة احتكاراً. لا توجد مولدات كهربائية في زحلة ولا من يستولدون. ونحسب أن عائدات الشركة مرتفعة بكل المعايير. الاقتراب من موعد نهاية الامتياز في نهاية 2018 هو من حرّك العاصفة على الأرجح. بوابة الأسعار كانت مدخلاً ملائماً. وإلاّ لماذا الآن؟ تضاف اليها اعتبارات سياسية. صاحب الامتياز أسعد نكد كان على لائحة التيار الوطني الحر في الانتخابات النيابية الأخيرة. ويقال إنه أبلى البلاء الحسن في تمويل اللائحة. مع ذلك، لم يحصل على ما يكفي من أصوات التيار لينجح، وخذله.  ويقول "أحد الخبثاء" أن الصوت التفضيلي أساساً كان لامتياز كهرباء زحلة بعد نفاده زمنياً. اللافت أن من يقود الحملة على أسعار شركة الامتياز النائب ميشال ضاهر هو من التيار نفسه وعضو "تكتل لبنان القوي". وهو رجل أعمال ناجح في المنطقة، شأنه شأن مجموعة واسعة من رجال الأعمال والأثرياء التي دخلت الى التيار ولها فيه كلمة مسموعة وحظوة نيابية ووزارية. الباقون في طريقهم الى اكتساب عضوية المجموعة. في المؤتمر الصحافي الذي عقده ضاهر كان الى جانبه زميله في التيار أيضاً النائب سليم عون ونائب القوات اللبنانية سيزار المعلوف. الثلاثة أكدوا على أن التيار لن ينقطع عن زحلة. لكنهم يريدون "مناقصة شفافة" لشركة جديدة بعد انتهاء الامتياز. أين ستحصل المناقصة ومن سيضع دفتر الشروط؟... مسألة أخرى مختلفة.

لا جدال في أن زحلة والمناطق الموصولة بشركة كهربائها ذاهبة الى العتمة لو توقفت التغذية مع انتهاء الامتياز بعد نحو شهور أربعة ونصف شهر. فالاجراءات اللوجستية تحتاج الى وقت أطول بكثير. وسيتمسك كل الزحليين بالتيار وبالشركة. تماماً مثلما سيفعل أهالي كسروان والمتن وبعض جبيل والجوار الذين سينعمون بتيار الباخرة إسراء وملوثاتها مع معمل الزوق. لكن مهلاً. فالحرب على امتياز كهرباء زحلة دونها مشكلات عويصة بين نكد وبين حقوق الدولة اللبنانية لن تنتهي على مايبدو من خارج المحاكم. فشركة كهرباء زحلة بدأت ببناء إنشاءات لمعامل استيلاد الكهرباء بالطاقة الحرارية خلافاً لشروط الامتياز.

 

أُبرم امتياز كهرباء زحلة عام 1923. انتقل الى نكد من والده. وقبله كان في عهدة آخرين. ويعود بداية الى الحقبة العثمانية. الامتياز ينص صراحة على جواز استيلاد التيار من خلال مياه البردوني. ولا يتيح استيلاده من الطاقة الحرارية إلاّ في فترات شح البردوني الى الحد الأدنى من منسوب المياه ساعات الذروة. وكانت الشركة تحصل على التيار من مؤسسة كهرباء لبنان لسد النقص بتكلفة 50 ليرة لبنانية للكيلواط تحددها الدولة اللبنانية. وبحسب كتاب رسمي لمؤسسة كهرباء لبنان مدون في 18-2-2015، فالعقد الأخير الذي وقعته الشركة مع كهرباء لبنان كان في 1984. ولحظ انتهاء الامتياز في 1990. على أن يجدد مرة واحدة ما لم يبد أحد الطرفين رغبته في عدم تجديد العقد قبل سنة من انتهائه. ( 1989 ) وقد حالت الظروف السياسية في حينه دون ذلك فانتهت مفاعيل العقد في 1996. فيكون العقد قد انتهى عملياً منذ أكثر من 18 عاماً ( 1996 - 2015 ) وحتى نهاية 2018 تكون مفاعيل العقد منتهية منذ نحو 22 سنة. تجديده لمرة واحدة كما لحظ العقد استمر بالأمر الواقع حتى 1996 نتيجة الأوضاع السياسية وعدم مبادرة مجلس الوزراء الى بت الأمر. وفي كل الأحوال كانت الحاجة الى قانون من مجلس النواب لم يصدر بدوره. باشر نكد ببناء المنشآت واستخدم نفوذه السياسي. وبدأ في 2018 حملة دعائية واعلانية ترويجاً للشركة استباقاً للبدء في استيلاد التيار من الطاقة الحرارية وكأن الامتياز باق بعد 2018 تحصيل حاصل. وقد فهمنا من ثقاة أن تعقيدات جمة دونها استرداد الامتياز، وحقوق الدولة على الشركة وحقوق الشركة على الدولة.

بين الباخرة إسراء، وإثراء شركة كهرباء زحلة من جهة، وبين توق الناس للنور في الألفية الثالثة من جهة ثانية، المعارك تتوالى في المكان الغلط. والكل يريد وصلاً بالثروة والمال والنفوذ. هذا قدر اللبنانيين في حقبة الغفلة والجور. كم هو صبورٌ هذا اللبناني على الجور والغفلة! وكم هو مغفلٌ أيضاً.

آخر المقالات


"الوكالة الاميركية"و"اللبنانية الاميركية" : منح تعليمية لغد افضل

ليبانيز كورا

منح لطلاب الثانويات والمعاهد التقنية الرسمية في الجامعة اللبنانية -الاميركية

فتح المِعبر وعودة المسلسل!

عصام الجردي

من يتذكر الاتفاقات التجارية العربية، وقواعد عبور البضائع التي ترعى العلاقات التجارية بين الدول؟

افتتاح مختبر "فؤاد العبد الحديث لإبتكارات الغذاء" في اللبنانية الاميركية

ليبانيز كورا

يعزز المختبر الحديث شراكة الجامعة وطلابها بالقطاعات الانتاجية في المجتمع