راشيل رشيد

2018 Aug 09




أدى تجميد القروض السكنية بعد قرار المؤسسة العامة للإسكان بوقف تلقّي طلبات جديدة إلى أزمة إجتماعية – إقتصادية لامست مختلف القطاعات. فالأمر لم يقتصر فقط على قطاع العقارات، وإنما طال 38 قطاعا آخر من البناء والمفروشات وصولا إلى شركات تنظيم الأعراس وما بينهما. ساهم ذلك في زيادة الركود إقتصادي، واحباط احلام شباب كثر بالزواج والإستقرار في بلدهم.

حسين حجاج واحد من اولئك الشباب. يقول ل"ليبانيز كورا": "عندما أردت الإرتباط ، تقدمت بطلب قرض عبر المؤسسة العامة للإسكان. وحين أخذت الموافقة في الشهر الأول من العام الحالي دفعت مبلغ 20,000$ لصاحب الشقة كعربون للإحتفاظ بها. وفجأة توقفت قروض الإسكان واضطربت العلاقة مع صاحب الشقة. لاحقا توصلنا الى إتفاق "حبي" بيننا يقضي بتسلم الشقة مقابل ايجار شهري قيمته 500$ بإنتظار عودة قروض الإسكان".

أما عبدو يعقوب فمثال آخر عن شاب أراد الإستثمار في بلده والبقاء فيه، وكان ان إصطدم بحائط قروض الإسكان. فيعقوب تاجر عقارات يجني أرباحه من خلال بيع الشقق السكنية. توقفت القروض فتوقف عمله. والاصعب ما نتج عن ذلك من ارباك وحرج وقلق  بينه وبين عملائه. يشرح قائلا"لقد سبق أن قمت ببيع 48 شقة سكنية في منطقة مغدوشة على الإسكان. بعض الشباب سددوا  دفعة أولى تتراوح بين ال 5,000$ إلى 15,000$ لشقق تصل قيمتها الى نحو 120,000$ وكانوا بإنتظار إستلام قروض الإسكان لدفع المبلغ المتبقي عليهم. وبعد توقف القروض لم يعد بإمكانهم الدفع ولا بامكاني تسليمهم الشقق. توصلنا الى تسوية افضل الممكن، وهدفي طمأنتهم، وتقضي بأن يسددوا مبلغا شهريا لمدة سنتين، وإذا لم يقوموا بتسديد المبلغ المتبقي نمدد لفترة ثلاثة أشهر إضافية، بعدها  يخضعون لبند جزائي يبلغ 15,000$، وقد فرضت هذا البند على نفسي في حال تأخرت بتسليمهم الشقق".

يعبر يعقوب عن الازمة التي تطال الجميع قائلا "العملاء ليس بيدهم حيلة. إذا لجأوا إلى خيار القروض الشخصية بالدولار لن يتمكنوا من دفع الفوائد المرتفعة نظرا للوضع الإقتصادي الخانق، والأجور المتدنية. ومن جهة ثانية يعاني أصحاب المشاريع العقارية في لبنان من تداعيات توقيف قروض الاسكان. بعضهم أخذ قروضا مصرفية تتجاوز 500,000$ لتنفيذ المشاريع، واليوم وبعد تأزم الوضع لم يعد بمقدورهم دفع قيمة الفوائد المرتفعة حتى لو عادت قروض الإسكان!"

لحود وتطور الأزمة

عن بدايات الأزمة ومصير الأموال المخصصة لدعم قروض الإسكان، يروي لنا رئيس مؤسسة الإسكان روني لحود قائلا: "كانت المؤسسة العامة للإسكان منذ العام 1999 تقدم القروض عبر الإحتياطي الإلزامي الذي يشكل 15% من مجموع الودائع في المصارف. وكانت القروض المدعومة محصورة بالمؤسسة العامة للإسكان والقوى الأمنية والجيش والقضاة. لكن في العام 2009 أصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تعميماً لتحفيز المصارف ودعم القطاعات الإنتاجية والإقتصادية، وسمح هذا التعميم للمصارف استخدام الإحتياطي الإلزامي لإقراض القطاعات الإقتصادية والإنتاجية ولم يحدًد لها سقفاً للإقراض".

يضيف "كان كل شيء يسير كما يرام حتى العام 2013، حين استنفد الاحتياطي الإلزامي عند معظم المصارف. وصدر في العام نفسه تعميما حمل الرقم 313 وفَّر عبره مصرف لبنان للمصارف قروضاً بحجمٍ محدّد وبفائدة 1 في المئة لتمكينها من الاستمرار في آلية الإقراض السكني. تم تحديد سقف للقرض بنحو 800 مليون ليرة ليُرفع لاحقاً إلى مليار و200 ألف ليرة لبنانية، إلى أن صدر في أواخر العام 2017 قرار من حاكم مصرف لبنان يقضي بالتوقف عن إستخدام الإحتياطي الإلزامي ، في اطارالحفاظ على السياسة النقدية. بالتالي توقف استعمال الاحتياطي الإلزامي وتوقف معه الدعم وتوقفت القروض".

من جهته يعتبر المحامي شربل شواح رئيس "جمعية دعم الشباب اللبناني" أن السبب الرئيسي لتوقف قروض الإسكان هو غياب رقابة الدولة ويشرح " كان مصرف لبنان يقدم قروضاً  مدعومة بقيمة 800,000$ بفائدة تبلغ 1,5% لشقق تصل تكلفتها حوالي 1,200,000$ بالتالي هذه القروض مقدمة لأشخاص يبلغ دخلهم الشهري حوالي 15,000$ ، يعني أن طالب القرض من الفئة الغنية وليس المتوسطة. اضافة الى ذلك، تبين أن آخر ملياري دولار تقدم بها مصرف لبنان أن مبلغ 800 مليون دولار وظف في السوق العقاري، بينما باقي الأموال غير معروف مصيرها. مما يسمح بالشك بأن تكون المصارف قد وظفتها بشكل قروض شخصية بفوائد مرتفعة، وذلك أدى إلى سحب القروض بشكل سريع مما دفع مصرف لبنان إلى التوقف عن تقديم الدعم".

يضيف شواح "نتيجة لهذا المسار الذي يظهر كيف ساهمت سياسة الإقراض التي اتبعت منذ سنوات بالوصول الى الأزمة، تجدد اليوم الجمعية مطلبها بإعادة وزارة الإسكان، التي توقفت منذ العام 2000، لتنظم هذا القطاع الذي ينعكس على الإقتصاد الوطني ككل". 

بدوره يعتبر رئيس مؤسسة الإسكان روني لحود أن "وضع السياسة الإسكانية ليست من مسؤوليات حاكم مصرف لبنان، وبالرغم من ذلك فإنه يقوم بها من 17 سنة. إلا أن وزارة الإسكان ليست الحل إذ كانت "شكلية" فقط. وكي تكون فعالة يجب أن تتضمن في تنظيمها الداخلي المؤسسة العامة للإسكان، المديرية العامة للتنظيم المدني، المديرية العامة للدوائر العقارية، والتخطيط المدني".

ويشدد لحود ، كما شواح، على ضرورة حصر قروض الإسكان بالطبقة الفقيرة والمتوسطة، أي تلك التي تأخذ قروضھا من المؤسسة العامة للاسكان والتي تستفید من قروض القوى الامنية والعسكرية.

إقتراحات القوانين

تصاعدت الدعوات والمحاولات من قبل الكتل السياسية لحل. تقدمت "كتلة المستقبل" بإقتراح القانون المعجل المكرر الذي يرمي إلى دعم الفوائد المقدمة من المصارف اللبنانية من خلال تخفيضها.

يشير لحود إلى أن "هذا القانون يلاقي إجماعا شبه تام كونه يؤمن الدعم المستدام للمؤسسة". مؤكدا أنه "لن يثير أي حساسية سياسية كونه مرتبطا مباشرة بحق المواطن في التملك، وذلك حق مقدس في الدستور". ومع تقديره وتفهمه لحماسة كل القوى السياسية الراغبة بطرح مشاريع وحلول، يعتبر أن النواب الذين وقعوا على إقتراحات القوانين الأخرى أصبحوا "أسرى مشاريع لن تستمر حتى ولو أبصرت النور، كونها لا تشكل حلا مستداما ولا تلبي حاجة المؤسسة العامة للإسكان". ملمحا بذلك إلى إقتراح قانون "جمعية دعم الشباب اللبناني" الذي  وقع عليه كل من النائب آلان عون، بولا يعقوبيان، طوني فرنجية وسامي فتفت (الذي كان قد وقع قبل تقدم كتلة تيار المستقبل بمشروعها)، الذي يرمي إلى إضافة مادة وحيدة إلى قانون الموازنة العامة ويقضي بـتخصيص مبلغ 100 مليار ليرة لبنانية لدعم الفوائد على القروض السكنية  المندرجة ضمن المؤسسة العامة للإسكان ومصرف الإسكان، وجهاز الإسكان العسكري ضمن شروط كل من المؤسسات المذكورة.

إلا أن شواح يدافع عن القانون الذي تقدم به قائلا: "إن مشروع القانون يهدف لحصر قروض الإسكان في المؤسسة العامة للإسكان بشكل تكون مضبوطة ومحددة القيمة. وبذلك نكون قد عدلنا الغلاء الفاحش بأسعار الشقق لأن عند إنخفاض قيمة قروض الإسكان، لن يستمر التاجر ببناء الشقق الفخمة بكلفة مرتفعة بل سيجعلها تتلاءم مع القدرة الشرائية للشباب".

ويتابع موضحا: "لقد قمنا بتقديم مشروع القانون بعد إجتماعنا مع مختلف الكتل النيابية وتعديله بشكل يتوافق مع ملاحظات الجميع، ونحن فضلنا تقديمه كجهة مستقلة بعيدا عن الحساسيات السياسية بإنتظار أن يصبح على جدول أعمال مجلس النواب، وأن يتم التصويت عليه على سبيل العجلة إلى حين تأليف الحكومة التي يصبح من واجبها تأمين الأموال اللازمة وإيداعها في المؤسسة العامة للإسكان".

هل "طابق المر" حل ؟

من الحلول المطروحة أيضا، إعادة تفعيل القانون 1980 الذي يعُرف شعبيا بتسمية "طابق المر" والذي يجيزلأصحاب العقارات زيادة طابق على المباني ضمن شروط محددة، يشكل دخلا إضافيا لخزينة الدولة يُخصص لدعم الإسكان، من خلال الرسوم التي تفرض على تجار البناء.

شواح من مؤيدي هذا الطرح " شرط أن يتم ذلك من خلال التنسيق بين الحكومة والتنظيم المدني مراعاة للطابع العمراني والبيئي وخصوصية كل منطقة".

ومن الحلول ما اقترحه رئيس الإتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، استنادا الى صلاحيات المؤسسة العامة للإسكان التي تسمح لها ببناء الوحدات السكنية وبيعها للمواطنين وفق قروض ميسرة مدعومة من الخزينة أو من مصرف لبنان. فما المانع من تبني هذه الخطوة؟

يجيب لحود "إن المؤسسة ليس لديها الإمكانيات الكافية لتقوم ببناء 5000 شقة سكنية في السنة، والعملية تتطلب إجراء مناقصات وفريق عمل كبير يقوم بالمراقبة والتطبيق. كما أن  الإقتصاد اللبناني  اقتصاد حر وللمواطن حرية إختيار الشقة التي تناسبه، في المكان والمواصفات التي تتلاءم مع إختياراته".

اذا، الحلول والإقتراحات كثيرة، إنما العبرة في التشريع والتطبيق والمتابعة. وفي ظل غياب الحكومة وتقاعس مجلس النواب، يبدو أن هذه الأزمة مكانك راوح حتى إشعار آخر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

آخر المقالات


"الوكالة الاميركية"و"اللبنانية الاميركية" : منح تعليمية لغد افضل

ليبانيز كورا

منح لطلاب الثانويات والمعاهد التقنية الرسمية في الجامعة اللبنانية -الاميركية

فتح المِعبر وعودة المسلسل!

عصام الجردي

من يتذكر الاتفاقات التجارية العربية، وقواعد عبور البضائع التي ترعى العلاقات التجارية بين الدول؟

افتتاح مختبر "فؤاد العبد الحديث لإبتكارات الغذاء" في اللبنانية الاميركية

ليبانيز كورا

يعزز المختبر الحديث شراكة الجامعة وطلابها بالقطاعات الانتاجية في المجتمع