جورج عيسى

2018 Sep 04




تقترب آخر منطقة "خفض تصعيد" مفترضة في سوريا من مواجهة المصير نفسه الذي واجهته محافظتي درعا والقنيطرة مؤخّراً. اللافت للنظر هنا تشابه المسار السياسيّ الذي سبق ويسبق الحملات العسكريّة التي تخطّط لها موسكو قبل كل حملة. تحذير من دمشق، فمفاوضات ضاغطة يخوضها الروس ثمّ حملة عسكريّة واسعة النطاق تنتهي بترحيل المقاتلين وعائلاتهم. في جنوب غرب سوريا، حذّرت وزارة الخارجيّة الأميركيّة ثلاث مرّات من خرق منطقة خفض الصعيد تحت طائلة "إجراءات حازمة ومناسبة".

ذهبت تلك التحذيرات أدراج الرياح واضعة صدقيّة الولايات المتّحدة على المحكّ. طالما أنّ سوريا ليست أولويّة أميركيّة مطلقة في الشرق الأوسط، يثار تساؤل عن جدوى تلك التحذيرات بما أنّها لن تتجسّد أفعالاً ملموسة. يبدو أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وقع أمس في الخطأ نفسه بعدما أطلق في تغريدة مسائيّة تحذيراً لدمشق وطهران وموسكو من تداعيات هجوم مرتقب على محافظة إدلب.

لم تحمل التغريدة أيّ تهديد باتّخاذ "إجراءات حازمة" لأنّها لن تؤخذ على محمل الجدّ في مطلق الأحوال. لكنّها بالمقابل، جاءت غامضة وقريبة من أن تكون "تعبيراً عن قلق" شبيهاً بذاك الذي يطلقه مسؤول منظّمة إنسانيّة أو أمين عام الأمم المتّحدة لا رئيس الدولة العظمى في العالم:

"يجب على الرئيس السوريّ بشّار الأسد ألّا يهاجم بشكل متهوّر محافظة إدلب. سيرتكب الروس والإيرانيّون خطأ جسيماً إذا ما شاركوا في هذه المأساة الإنسانيّة المحتملة. يمكن لمئات الآلاف من الناس أن يُقتلوا. لا تدعوا هذا الأمر يحدث".

من ناحية الشكل، تدخّل الرئيس الأميركيّ للمرّة الأولى من أجل إبداء رأي صريح قبل نشوب أيّ معركة في سوريا. ومع ذلك، جاء الموقف ليّناً بل أقرب إلى ضوء أخضر خافت ضمنيّ. فدعوة الأسد إلى عدم مهاجمة إدلب "بشكل متهوّر" يمكن أن تُفهم بطريقة ما على أنّها دعوة للهجوم "بشكل غير متهوّر". يصعب الجزم بوجود قصد كهذا طالما أنّ تغريدات ترامب تأتي غالباً بطريقة عفويّة. لكن مهما تكن نيّة ترامب وراء تغريدته الأخيرة، فهو بالتأكيد لم يؤدّ خدمة لموقف بلاده من النزاع السوريّ.

في الأساس، لا تملك واشنطن دافعاً كبيراً للتدخّل في معركة إدلب طالما أنّ فرع "القاعدة" في سوريا يسيطر على جزء كبير من المحافظة. صحيح أنّ هذا الفرع نوّع أسماءه لتبييض سجلّه معلناً قطع صلاته بتنظيم "القاعدة"، لكنّ هذا الأسلوب الذي شرّعه أيمن الظواهري نفسه كتكتيك للحفاظ على الفصائل المرتبطة به، لم ينطلِ على الأميركيّين ولا على غيرهم. من هنا، تبقى صورة إدلب بالغة التناقضات لكونها تضمّ مقاتلين من القاعدة لا يمكن الدفاع عنهم، وفي الوقت نفسه، عدداً هائلاً من السكّان والنازحين يصل بحسب بعض التقارير إلى أكثر من 3.5 مليون نسمة. لكنّ التعقيدات لا تتوقّف عند هذا الحدّ.

فالمعركة ستكون أصعب على المهاجمين لأنّها تضمّ أوّلاً جهاديّين متطرّفين. وبغياب أيّ محافظة أخرى يمكن لهؤلاء أو لغيرهم من المقاتلين المعتدلين أن يرحلوا إليها في حال إجراء "مصالحات"، تصبح شراسة القتال أمراً لا مفرّ منه. ومع ازدياد حدّة المعارك قد تتضخّم موجات النازحين واللاجئين لتفوق سابقاتها.

من جهته، أشار الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في كلام له أمام مجموعة من سفراء بلاده إلى أنّ النظام السوريّ يهدّد بكارثة إنسانيّة في إدلب. وأمل الأسبوع الماضي من "موسكو وأنقرة الضغط على دمشق". مجدّداً، وكما هي الحال مع البيت الأبيض، يعيد التحذير الرئاسيّ الفرنسيّ تسليط الضوء على فشل الإليزيه في صياغة رؤية للأزمة السوريّة وربّما في فهمها، علماً أنّه مرّ على وجود ماكرون أكثر من 15 شهراً في منصبه. فأن يأمل الأخير ضغط أنقرة تحديداً على دمشق يجسّد خطأ واضحاً في معرفة الإطار العام للموقف التركي.

فالأتراك لا يحتفظون بأيّ علاقة مع المسؤولين السوريّين وبالتالي هم غير قادرين على فرض الضغط على دمشق سياسيّاً أو حتى عسكريّاً بطبيعة الحال. من ناحية ثانية، سيكون الأتراك أكثر المتضرّرين من الهجوم على إدلب الأمر الذي يكلّفها أعباء تحمّل المزيد من اللاجئين، إضافة لخسارتهم جزءاً كبيراً من نفوذهم شمال سوريا لو استعادت دمشق تلك المحافظة. لذلك، ومن دون نصيحة ماكرون، تسعى تركيا لإبعاد الكأس المرّة عنها عبر مواصلة التفاوض مع الروس. برز ذلك من خلال الزيارات المكّوكيّة التي أجراها الطرفان في شهر آب الماضي خصوصاً. إذ التقى وزيرا خارجيّة البلدين مرّتين في أقلّ من عشرة أيّام ووزيرا الدفاع مرّتين في أقلّ من أسبوع.

حين تكون دفّة الحرب مائلة في اتّجاه معيّن، يبقى تفادي التعليقات أكثر صواباً من الناحية المعنويّة للدول الكبيرة التي لا تستطيع أو لا تريد تعديل اتّجاه هذه الدفّة. باستثناء التحرّك عقب أيّ هجوم كيميائيّ، يحتفظ ترامب وماكرون بنظرة سلفيهما نفسها إلى النزاع السوريّ. فضّل أوباما عدم التحرّك في هذا الملفّ وتبعه في تفضيله هذا فرانسوا هولاند. اليوم، يستمرّ غياب التحرّك بأشكال مختلفة. وموسكو من أفضل من يبرع في قراءة ذلك. عندما امتنع أوباما عن ضرب مراكز الأسد سنة 2013، علم بوتين أنّ الساحة السوريّة ستصبح ملكاً له على المدى الطويل. وحين رفضت واشنطن الدفاع عن درعا، المنطقة التي شاركت هي نفسها بوضعها ضمن إطار خفض التصعيد، علمت موسكو أنّ بإمكانها تطبيق السيناريو نفسه في إدلب. 

أمّا بالنسبة إلى التصريحات والتغريدات الرئاسيّة فهي تضرّ أصحابها أكثر ممّا تضرّ الكرملين.

 

آخر المقالات


"الوكالة الاميركية"و"اللبنانية الاميركية" : منح تعليمية لغد افضل

ليبانيز كورا

منح لطلاب الثانويات والمعاهد التقنية الرسمية في الجامعة اللبنانية -الاميركية

فتح المِعبر وعودة المسلسل!

عصام الجردي

من يتذكر الاتفاقات التجارية العربية، وقواعد عبور البضائع التي ترعى العلاقات التجارية بين الدول؟

افتتاح مختبر "فؤاد العبد الحديث لإبتكارات الغذاء" في اللبنانية الاميركية

ليبانيز كورا

يعزز المختبر الحديث شراكة الجامعة وطلابها بالقطاعات الانتاجية في المجتمع