جورج عيسى

2018 Sep 11




"خيانة". بكلمة واحدة عبّر الرئيس الأميركيّ عن ردّة فعله الأولى تجاه مقال نقديّ نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" لكاتب عرّفت عنه بأنّه "مسؤول بارز في إدارة ترامب هويّته معروفة بالنسبة إلينا ووظيفته ستتعرّض للخطر عبر كشفها". المقال الذي جاء تحت عنوان "أنا جزء من المقاومة داخل إدارة ترامب"، شغل البيت الأبيض أقلّه على مستويين: محاولة التقصّي عن "الخائن" وإعلان كلّ مسؤول على حدة "براءته" من سطوره.

وسط مشاكل تتسبّب بها التحقيقات الفيديراليّة التي تلاحقه وتلاحق مقرّبين منه، فاجأت "نيويورك تايمز" الرئيس الأميركيّ أكثر ممّا فاجأته صحيفة "واشنطن بوست" حين نشرت مقاطع من كتاب الصحافيّ الاستقصائيّ بول وودورد تحت عنوان "الخوف: ترامب في البيت الأبيض".

لا شكّ في أنّ كتاب وودورد جاء قاسياً بعدما نقل مظاهر الفوضى داخل البيت الأبيض. لكن في نهاية المطاف، لم يكن وودورد أوّل من يضع مؤلّفاً يهاجم سلوك ترامب ويسرد أخباراً عن عدم وثوق بعض مستشاريه به. فقد سبق للصحافيّ مايكل وولف من "يو أس أي توداي" أن أصدر كتاب "النار والغضب" الذي تطرّق إلى مواضيع مشابهة. وفي جميع الأحوال، يشكّل الكاتبان جزءاً من التيّار الإعلاميّ المعارض لترامب الذي تجاهله أحياناً وصبّ جام غضبه عليه أحياناً أخرى. لكنّ مفارقة المقال تكمن في إبراز أنّ الإدارة مخترقة من الداخل وتعمل على عرقلة سياسات الرئيس الأميركيّ، إذا صحّ فعلاً أنّ كاتبه "مسؤول بارز" داخلها.

أشارت "نيويورك بوست" إلى أنّ نائب ترامب مايك بنس تصدّر لائحة الأشخاص المشتبه بكتابتهم المقال والتي أصدرتها شركة "مايبوكي" للرهانات. بحسب اللائحة، هنالك احتمالان من أصل ثلاثة أن يكون بنس صاحب المقال. المحلّل البارز في الشركة دايفد ستراوس قال إنّ استخدام كلمة "النجم الهادي" كان لافتاً لأنّه لم يسبق لأحد من الإدارة أن استعملها باستثناء بنس. وكان لشركة مشابهة ثانية في كندا، "بوفادا"، لائحة أخرى تصدّرها وزير العدل جيف سيشنز وحلّ فيها بنس ثانياً.

انتقد ترامب سيشنز كثيراً لأنّه أبقى نفسه على مسافة متساوية بين الرئيس والمحقّق الخاص روبرت مولر، حتى قال عنه إنّه "لا يسيطر على وزارة العدل". وهنالك تقارير تتحدّث عن احتمال أن يقيله ترامب بعد الانتخابات النصفيّة. لكنّ سيشنز نفى أن يكون كاتب المقال. هذا النفي صدر أيضاً عن بنس الذي أعرب في مقابلة إعلاميّة مع "فوكس نيوز" الأحد عن استعداده للخضوع لاختبار كشف الكذب. وتحدّث آخرون عن أنّ عبارة "المبادئ الأولى" في المقال شائعة مع ما يستخدمه وزير الدفاع جايمس ماتيس أو أنّ عبارة "خارج السكّة" يستخدمها غالباً مدير مكتب الموظّفين في البيت الأبيض جون كيلي.

هنالك حوالي 20 مسؤولاً نفوا أيّ علاقة لهم بالمقال من بينهم كيلي وماتيس وبومبيو ومديرا الاستخبارات القوميّة والمركزيّة دان كوتس وجينا هاسبل. حتى أنّ ميلانيا ترامب انضمّت إلى لائحة النفاة. ورأى مايكل وورن من مجلّة "ويكلي ستاندرد" أنّه يحتمل لشخصين مثل كوتس وبومبيو أن يكتبا المقال بما أنّ اللغة المستخدمة تدلّ إلى أنّ الكاتب محافظ ويختلف مع ترامب في "حرّيّة العقول وحرّيّة الأسواق وحريّة الشعوب". بالنسبة إليه، لم يبقَ لكوتس الكثير في مسيرته المهنيّة ولن تكون خسارته كبيرة لو طرده ترامب. وبما أنّ الأخير ردّ على انتقاد كوتس لقمّة هلسينكي، فقد يكون له دافع قويّ كي يكتب المقال. أمّا بومبيو فهو لا يتوافق مع ترامب لجهة انتقاده "الدولة العميقة".

عمليّاً، تبقى عبارة "مسؤول بارز في الإدارة" فضفاضة ولا تكشف الشيء الكثير عن هويّة مثير الجدل هذا. بإمكان الأخير أن يكون جزءاً من الحلقة الضيّقة داخل البيت الأبيض ضمن طاقم "الجناح الغربيّ" كما بإمكانه أن يكون وزيراً أو موظّفاً في مجلس الأمن القوميّ أو في وكالة فيديراليّة. دايفد ناكامورا، مراسل "واشنطن بوست"، غرّد أنّه كان على الصحيفة شرح وجود 1212 مسؤولاً داخل الإدارة يحصلون على موافقة الكونغرس مضيفاً أنّ هنالك 640 وظيفة "أساسيّة" من بين هذه المناصب. أمّا المعلّق السياسيّ في "فوكس نيوز" بريت هيوم فغرّد أنّ الحكومة الفيديراليّة فاضت بالمسؤولين الذين قاوموا هذه الإدارة وجميع الإدارات الجمهوريّة وأنّ جميعهم تقريباً من الديموقراطيين.

صحيح أنّ ترامب مهتمّ بكشف هويّة هذا "الجبان" كما وصفه. لكن لم يكن هذا السؤال الوحيد أو حتى الأهمّ الذي يجب أن يشغل بال البيت الأبيض أو المتابعين. إنّ الهدف الأساسيّ لهذا النوع من المقالات إيصال فكرة صاحبها إلى القرّاء. لكن بحسب محلّلين ينتمون إلى المعسكر السياسيّ المناوئ للرئيس الأميركيّ، كان أكثر ما أساء لهذه الفكرة هو أسلوب إيصالها إلى الأميركيّين. بالنسبة إلى هؤلاء كان السؤال من نوع: "ماذا يفعل هذا الشخص داخل الإدارة إذا كان يعارض الرئيس؟". تمحورت الانتقادات حول أنّ هذا الكاتب، حتى لو كان بارزاً فعلاً، يريد في نهاية المطاف الاستفادة من شعبيّة المعارضة ومن "جنّة الحكم" على حدّ سواء.

في سياق مشابه، وخلال مقابلة مع شبكة "أي بي سي"، لخّص لانهن شي، مدير السياسات السابق في حملة ميت رومني سنة 2012، تحليله للمقال متسائلاً عن الغاية الأساسيّة من ورائه: "إذا كان موضوعك أنّك تعتقد أنّ الرئيس غير أخلاقيّ وغير أهل لهذا المنصب، إذاً استقل واجعل هذه القضيّة علنيّة واسمح للكونغرس بالقيام بعمله" وأضاف: "إذا كنت تعتقد حقاً أنّ هذه مشكلة، فهنالك إذاً طرق للتعامل معها أبعد من مجرّد الذهاب وكتابة مقال رأي مجهول صاحبه". 

 

   

 

آخر المقالات


"الوكالة الاميركية"و"اللبنانية الاميركية" : منح تعليمية لغد افضل

ليبانيز كورا

منح لطلاب الثانويات والمعاهد التقنية الرسمية في الجامعة اللبنانية -الاميركية

فتح المِعبر وعودة المسلسل!

عصام الجردي

من يتذكر الاتفاقات التجارية العربية، وقواعد عبور البضائع التي ترعى العلاقات التجارية بين الدول؟

افتتاح مختبر "فؤاد العبد الحديث لإبتكارات الغذاء" في اللبنانية الاميركية

ليبانيز كورا

يعزز المختبر الحديث شراكة الجامعة وطلابها بالقطاعات الانتاجية في المجتمع