عصام الجردي

2018 Sep 19




في صرف الاعتبار عن الجدل الدستوري القائم حيال عقد جلسة استثنائية لمجلس النواب في ظل حكومة مستقيلة لـ"تشريع الضرورة" أم لغايات أخرى ملحة، فالحال التي بلغتها الأزمة السياسية في البلاد، وتداعياتها على الوضعين المالي والنقدي والاقتصادي عموماً، تتطلب تحركاً سريعاً لمجلس النواب لاتخاذ موقف مما يجري.

البلاد تفتقد الى الآن الى راعٍ وقيادة. نقول ذلك، مسقطين كل الاعتبارات السياسية التي تكبل مجلس النواب. سواءٌ على مستوى التشريع، أم على مستوى القرارات الوطنية الكبيرة. المادة 69 من الدستور ( الفقرة 3 ) واضحة: "عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النواب حكماً في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة". أمّا هل يحق للمجلس التتشريع واستنان القوانين في ظل الحكومة المستقيلة من عدمهما، فمسألة أخرى لا يعيرها المواطن اهتماماً كبيراً. مع تقدير أهميتها واحترام أصحاب الجدل و"جماعة النصّ". أليس من أوصلنا الى هذا الوضع المأزوم هو تجاوز الدستور والقوانين وفصل السلطات وتهميش المؤسسات الدستورية؟ هذه ليست دعوة لتكريس الخروج على الدستور والمؤسسات. بل ولوقفة تاريخية لمنع الانهيار. هذا نبض الناس وخوفهم وقلقهم اليوم. تتغذى من عامل فقدان الثقة الذي طالما تناولناه من زمان. الآن بدأ يفعل فعله خصوصاً على المستويين المالي والنقدي.

يوم الثلاثاء الماضي ( 18 -9 – 2018 ) ازدادت الشائعات في السوق المالية. لها الكثير ممّا يسوغها، والقليل ممّا يدحضها في أجواء صدع الثقة وخطاب السوقة السياسي. والعجرفة والترويج لـ"للبنان القوي" في ظل جمهورية ضعيفة، وسط اقليم متفجر مجهول المصير، ومواطن بائس بات قوت يومه رهين كرامته. حين يسترهن تأليف الحكومة لنهم الطارئين على الحصص الوزارية والمنافع، والجائعين للسلطة والتسلط بأي ثمن، يصبح الانقاذ مطلوباً وبأي ثمن.

نقترح على مجلس النواب لو تمكن من عقد جلسته الاستثنائية في غياب حكومة تصريف الأعمال أم في حضور من يمثلها، معالجة مسألة واحدة لمرة واحدة: قطاع الكهرباء. في نهاية 2018 قد يصل العجز المالي المولد للدين العام تراكماً في هذا القطاع الى نحو 38 مليار دولار اميركي. أي زهاء 45 في المئة الدين العام من خارج مصرف لبنان. والمصابيح ظلمة وعتمة. نطلب الى مجلس النواب في هذا السياق، فتح ملف مؤسسة كهرباء لبنان وامتيازات الكهرباء. سترون الأعاجيب إن كنتم تعجبون بعد. في ملف المحروقات. وفي الحسابات وأرصدتها والبيانات المالية. إذ بحسب التقارير المحاسبية الموثوقة، لا يتوفر نظام معلوماتي ومحاسبي مترابط يعكس طبيعة الحسابات وأرصدتها. أعمال المؤسسة ورقابتها لا تتلاءم واجراءات الضبط الداخي وأصولها. كشوفات الجرد والمستندات العائدة الى صناديق المناطق لا تؤول الى تدقيق البيانات المالية على نحو صحيح. لا أرقام صحيحة متاحة لمعرفة حركة المخازن وقطع الغيار وخزين المحروقات. وهي بمئات مليارات الليرة اللبنانية. العلاقة مع شركة كهرباء قاديشا ليست سوية بكل المعاني. اداريا وماليا ومحاسبياً. وأرصدة الامتيازات لا تتناب وأرصدة البيانات الحسابية. فوضى عارمة في الدورات المالية في المؤسسة. هناك خلط بين الأعباء الاستثمارية وبين الأعباء الترسملية. يؤدي هذا الوضع الى شكوك في صحة أرصدة الموجودات الثابتة ونفقات الصيانة والتجهيزات والمشتريات. ولا تحتفظ المؤسسة بسجل مفصّل للموجودات الثابتة المادية ولا تجري جردة لتلك الموجودات. ولا تستبعد من سجلاتها الموجودات العاطلة من العمل. هناك فروقات كبيرة بالمليارات بين أرصدة سلفات الخزانة وبين جداول وزارة المال. تسجل عمليات فروقات القطع من خلال عملية محاسبية قاصرة. وتدرج فروقات الصرف الناجمة عن تغيرات أسعار الصرف بين تاريخ العملية وبين تاريخ السداد على حساب المشتريات! وكل تلك الحالات ليست على وجه الحصر.

ماذا يحصل في هذه الساعة؟ أقر مجلس النواب مشروع قانون موازنة 2018 وفيه 2100 مليار ليرة للكهرباء. على أساس سعر نفط 65 دولارا اميركياً للبرميل. وصل السعر وسطياً الى نحو 75 دولاراً اميركياً. السلف الى مؤسسة كهرباء لبنان لا تسدد بحسب القانون. تحولت بناء على طلب الوزير اعتماداً في صلب الموازنة. حين إقرار تمويل المحروقات للباخرة الثالثة الشهيرة في مجلس الوزراء في أيار 2018 مع الباخرتين الأخريين، نبه وزير المال علي حسن خليل الى دقة الوضع المالي، وتعذر استمرار التمويل من خارج بناء المعامل لاستيلاد كهرباء مستدامة. قفز وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل مدعوماً من رئيس المجلس سعد الحريري فوق ادارة المناقصات وكان له ما أراد. ويعرف اللبنانيون كيف بدأت "السيدة إسراء" التركية تتنقل على الساحل الى حين ربطها في الزوق. ترويج الوزير لإضاءة الزوق وجزء من المتن وجبيل بـ"التيار" لم يدم طويلاً. وعاد التقنين في المنطقة. مطلوب الآن الاستمرار في تمويل البواخر الى أجل مفتوح بالعجز والدين. وحكومة تصريف الأعمال لا يمكنها اصدار مرسوم سلف مالية بعد أن كادت الاعتمادات المرصودة في موازنة 2018 تنفد. ويتردد أن مؤسسة كهرباء لبنان تعير المحروقات الى كهرباء قاديشا. والأخيرة مستقلة ادارة وذمة مالية، ولا يحق لمؤسسة كهرباء لبنان تغيير وجهة تمويلها من الموازنة ولا من السلف وتحويله الى الشركة. وحكاية استرداد امتياز كهرباء قاديشا أعمق بكثير من مغارة قاديشا. الجديد على ما علمنا، تعاقد مؤسسة كهرباء لبنان مع شركة تدقيق محاسبة لتصحيح أرصدة 2010. ولا ندري كيف ستنجز الشركة مهمتها وأرصدة 2010 لم تتوفر في حينه. ولا النقطة التي  ستنطلق منها.

فوضى عارمة. وجريمة مالية وكهربائية في حق الشعب اللبناني والخزانة مستمرتان. سيضاف اليهما فصل جديد من "دراما الاصلاح والتغيير" في تشرين الأول المقبل. موعد إنفاذ قرار إلزام أصحاب المولدات تركيب عدادات ساعة للمستهلكين، لوقف مسلسل البلطجة والاستغلال. وإلاّ على ما قال وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري سيوعز الى البلديات عبر وزارة الداخلية تشغيل المولدات بنفسها لو لجأ أصحابها الى التوقف عن الانتاج. لكن فات الوزير أن المولدات ملكية خاصة. رغم كونها تستعمل مرافق عامة خلافاً للدستور والقانون منذ سنوات لسد عجز الدولة ووزارة الطاقة والمياه تحديداً. ولا تكلّف أي نوع من الضريبة.

لتكن الكهرباء نقطة انطلاق في عملية اصلاح تفادياً للأسوأ. أثرها المالي قوي جداً. علّها تخفف من وتيرة فقدان الثقة بكل شيء. ولم يفت الأوان بعد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

آخر المقالات


"الوكالة الاميركية"و"اللبنانية الاميركية" : منح تعليمية لغد افضل

ليبانيز كورا

منح لطلاب الثانويات والمعاهد التقنية الرسمية في الجامعة اللبنانية -الاميركية

فتح المِعبر وعودة المسلسل!

عصام الجردي

من يتذكر الاتفاقات التجارية العربية، وقواعد عبور البضائع التي ترعى العلاقات التجارية بين الدول؟

افتتاح مختبر "فؤاد العبد الحديث لإبتكارات الغذاء" في اللبنانية الاميركية

ليبانيز كورا

يعزز المختبر الحديث شراكة الجامعة وطلابها بالقطاعات الانتاجية في المجتمع