جورج عيسى

2018 Nov 20




 

ربّما أمكن للرئيس دونالد ترامب، في سيناريو افتراضي، أن يختار نظيره التركيّ رجب طيب أردوغان لمشاركته في وضع كتاب "فنّ الصفقة" بدلاً من الصحافيّ طوني شوارتز، لو كانا على معرفة ببعضهما سنة 1987. على الرغم من التوتّر الحادّ الذي مرّت به العلاقات الأميركيّة-التركيّة في الأشهر القليلة الماضية، ظلّ الرجلان قادرين على صياغة تسويات تعود عليهما بالمنفعة المتبادلة.

حين أطلِق سراح القسّ الأميركيّ أندرو برانسون الشهر الماضي، الفتت عيون المراقبين إلى تسوية محتملة حول قضيّة قتل الصحافيّ جمال خاشقجي. في مقال بتاريخ 16 تشرين الأوّل، وتحت عنوان: "هل من علاقة بين الإفراج عن برانسون واختفاء خاشقجي؟"، أوضح "ليبانيز كورا" أنّ هذه الفرضيّة مستبعدة: "هنالك غالباً ما يمكن لأردوغان الاستفادة منه من خلال الإفراج عن القسّ الأميركيّ. لكنّ البحث عنه في ‘القنصليّة السعوديّة‘ غير مجدٍ بحسب المعطيات الحاليّة". وبحسب المعطيات المستجدّة أيضاً، يبدو أنّ العلاقة بين القضيّتين أكثر استبعاداً من ذي قبل.

في ذلك المقال، ذكر "ليبانيز كورا" كيف كانت قضيّة سجن محكمة أميركيّة لنائب رئيس مصرف "خلق" الحكوميّ التركيّ محمّد هاكان أتيلا لمساعدته إيران على الالتفاف حول العقوبات، إحدى الأولويّات المهمّة بالنسبة إلى أنقرة. وخلال الأسبوع الماضي، رأى الباحثان أيكان إردمير وميرفي طاهر اوغلو في "مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات" أنّ جميع المؤشرات تدل إلى أنّ الطرفين توصلا إلى ترتيب حول مصرف "خلق". وكتبا أنّه في الثالث من هذا الشهر، اتصل أردوغان بترامب لمناقشة الغرامة على المصرف وكانت تلك المرّة الأولى التي تحدث فيها الرئيس التركي علناً عن هذا الأمر. علاوة على ذلك، هنالك قضيّة تاجر الذهب التركيّ-الإيرانيّ رضا ضرّاب الذي اعتقلته واشنطن منذ سنتين للتّهمة نفسها ويعتقد الباحثان أنّ أردوغان يشعر باستعداد أميركيّ لتسليم ضرّاب إلى أنقرة.

مع تزايد الاحتمالات بأن يكون الإفراج عن برانسون مرتبطاً بملفّ مصرف "خلق"، تتزايد معه الأسئلة حول السبب الذي دفع أردوغان إلى إطلاق سراح القسّ الأميركيّ في تشرين الأوّل بالتحديد، حين كانت قضيّة اختفاء (حينها) خاشقجي في دائرة الأضواء الإعلاميّة والسياسيّة. حتى في الولايات المتّحدة لم تكن الإجابة على هذا السؤال سهلة. في تقرير سابق لموقع شبكة "فوكس نيوز"، قال مصدر على صلة وثيقة بملفّ برانسون إنّه غير واثق بالسبب المباشر الذي دفع أنقرة إلى إطلاق سراحه بالرغم من الجهد الذي بذلته الإدارة سابقاً. بالنسبة إليه، كان كافياً أن يقول ترامب كلمته كي تستجيب تركيا. ورجّح أن يكون اختفاء خاشقجي أحد العوامل في هذا الإطار إذ في ذلك الوقت، ظهر أردوغان وكأنّه في موقف قوّة إزاء السعوديّة، لكنّه في نهاية المطاف حقّق ما يريده ترامب.

في هذا السياق، لا يزال الرئيس التركيّ يحاول الضغط على وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان عبر "تقطير" المعلومات والتحقيقات والتسجيلات المرتبطة بقتل الصحافيّ جمال خاشقجي. أمّا المدى الذي يمكن لأردوغان الذهاب إليه فقد يرتبط هو الآخر، بتسوية ثانية محتملة. يوم الخميس الماضي، نشرت شبكة "أن بي سي" تقريراً نقلت فيه عن مسؤولين أميركيّين قولهم إنّ البيت الأبيض يدرس فرضيّة تسليم الداعية التركيّ فتح الله غولن إلى تركيا مقابل تخفيف الأخيرة ضغطها عن الرياض. بحسب هؤلاء، تقدّمت الإدارة بطلب إلى مكتب التحقيقات الفيديراليّ ووزارة العدل بفتح هذا الملفّ، كما تمّ تقديم طلب آخر إلى وزارة الأمن القوميّ لمعرفة وضع غولن القانونيّ في البلاد. وأشار التقرير إلى أنّ الإدارة الأميركيّة فتحت هذا الملفّ في كانون الثاني 2017 بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، في عهد المستشار الأوّل للأمن القوميّ مايكل فلين.

بعد يومين، نفى ترامب هذا الخبر أمام مجموعة من المراسلين في البيت الأبيض قائلاً إنّ هذا الأمر "ليس قيد الدرس" واصفاً أردوغان ب "الصديق". لكنّه أضاف: "مهما يكن ما يمكننا أن نفعله (لأجل تركيا)، فسنفعله. لكنّ هذا (تسليم غولن) أمر نظرنا دائماً إليه. لكن عند هذه المرحلة، لا". هل لمّح ترامب إلى أنّه في مرحلة من المراحل يمكنه إعادة درس الموضوع والبتّ به لصالح أردوغان؟ وهل يُعتبر كلامه معطوفاً على تقرير "أن بي سي" تمهيداً ضمنيّاً كي يستعدّ الأميركيّون لصفقة كهذه في المستقبل؟ حين انتشر خبر دراسة الإدارة الأميركيّة لهذا الملفّ، طالب كتّاب وصحف ترامب بعدم الاستجابة لرغبات أردوغان في هذا الشأن، مشيرين إلى أنّ الرئيس التركيّ سيرى خطوة كهذه علامة ضعف من واشنطن ممّا سيدفعه إلى مطالبتها بالمزيد من التنازلات في المستقبل.

عندما تمّ إطلاق سراح برانسون، قال ترامب إنّه لم يتمّ تقديم تنازلات أميركيّة لصالح تركيا. واليوم، ينفي أيضاً وجود مثل هذه التنازلات في قضيّة غولن. إنّ أبرز مؤشّر إلى الالتزام الأميركيّ بهذا المبدأ قد يكمن مجدّداً في قضيّتي أتيلا وضرّاب. إذا لم يتمّ تسليم هذين الشخصين إلى تركيا، فإنّ التنازل في ملفّ غولن سيغدو أصعب على الأرجح. والعكس صحيح. لكنّ مراقبة بوادر صفقة محتملة في هذا الإطار لن تكون سهلة بما أنّ التحقيقات الأميركيّة تجري سريعاً مع توقّع حصول ترامب على تقرير كامل حول نتائجها اليوم الثلاثاء. في هذه الأثناء، لا تزال الصحف التركيّة، من بينها "خبر ترك"، تنشر تفاصيل جديدة عن قتل خاشقجي داخل القنصليّة ممّا يؤشّر إلى احتمال انتفاء صفقة كهذه، طالما أنّ الأتراك يواصلون اعتماد الأسلوب الضاغط نفسه. على أيّ حال، إنّ عقد الصفقات الناجحة يتطلّب التزاماً من كلا الطرفين بالموجبات الملقاة على عاتقهما. هل يضمن ترامب أن يلتزم الرئيس التركيّ بتعهّداته لو سلّمه غولن في وقت لاحق؟ بعض المسؤولين الأميركيّين، بحسب "أن بي سي" نفسها، بدا غاضباً من مجرّد اقتراح صفقة كهذه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

آخر المقالات


إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"

شكراً لمركز الشمال للتوحد

عصام عازوري

"مركز الشمال للتوحد" يرد و...شكر على التوضيح

يوم التوحد والغرفة المغلقة

عصام عازوري

عن الغرفة الخاصة بالأطفال المصابين بالتوحد في مطار بيروت الدولي