عصام الجردي

2018 Nov 22




بعد 75 عاماً على الاستقلال، سيذكر التاريخ يوماً أن اللبنانيين لم يتمكنوا من بناء دولتهم بعد؛ دولة الدستور والمؤسسات، وحكم القانون والعدالة، والحقوق والواجبات، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. لذلك، احتفل لبنان الرسمي بهذه المناسبة بلا حكومة مكتملة الأوصاف ومنقوصة الصلاحيات. وبمجلس نواب يشرع لـ"الضرورة". وبرئاسة جمهورية مؤتمنة قسماً على الدستور والحفاظ عليه، ويتردد رئيسها في استخدام صلاحياته الدستورية ليقرر مع الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة أن هذه هي حكومة لبنان. من يعارض مكانه مجلس النواب. يمنح ثقة ويحجبها. يراقبها، يسائلها ويحاسبها. لا يوجد بلد في العالم بلا حكومة، ترعى شؤون شعبه وانسانه، ويترك للغربان تسوسه، وللكواسر تعمل مخالبها في جسد الوطن المريض. والوطن يكابد على شفا الهاوية.

الوطن بلا دولة أرض سائبة. ولطالما كانت الأرض على مرّ التاريخ لمن يحتلها، وتستبدل احتلالاً بآخر. هذا تاريخ لبنان من الصليبيين والمماليك والعثمانيين والفرنسيين. الأرض فرادى لا تعني وطناً. والوطن لا يستقيم بلا دولة بمفهومها الشامل شعباً وأرضاً ومؤسسات. في غضون أعوام ستة، تمكن رئيس جمهورية لبنان فؤاد شهاب من بناء وطن ودولة ومؤسسات. وكل ما نراه اليوم نتاجه. الجيش، والتفتيش المركزي ومصرف لبنان ومجلس الخدمة المدنية، وديوان المحاسبة، والضمان الاجتماعي ومصلحة الانعاش الاجتماعي، ومصلحة مياه الليطاني، والمشروع الأخضر، ودار المعلمين العليا، وكليات عدة في الجامعة اللبنانية وعشرات المستشفيات الحكومية والمستوصفات. وليس على وجه الحصر. مع ذلك رفض شهاب التجديد باعادة انتخابه ولاية ثانية بشبه إجماع من مجلس النواب. الدستور كانت محجّته. أو "الكتاب" كما كان يسميه فيصلاً وملاذاً أخيراً.

في هُويّة لبنان، في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الدستور، "لبنان وطن حرّ مستقل ولجميع أبنائه، عربي الهُويّة والانتماء" لم تكن بعيدة عن تفكير شهاب وتوجهاته. كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر في حقبة ولاية شهاب رئيساً للجمهورية اللبنانية زعيماً عربياً لا يجارى. وأبرز زعيم في العالم الثالث. وكلنا نذكر حين رغب عبد الناصر زمن الوحدة السورية المصرية في لقاء شهاب كيف اختار الثاني المنطقة الفاصلة لبنان عن سوريا مكاناً. جسّد شهاب سيادة لبنان واستقلاليته. وانتماء لبنان العربي بعيداً من المحاور الاقليمية. كسب احترام عبد الناصر واللبنانيين والعالم. اتفاق  الطائف جاء ليكرّس توجهات شهاب وفعله.

قال رئيس الجمهورية ميشال عون في كلمته المتلفزة عشية ذكرى الاستقلال إن "لبنان يعيش اليوم ازمة تشكيل حكومة سبق ان عاشها في السنوات الماضية. وتحصل في دول عريقة في الديموقراطية والحضارة، ولكنها تخسرنا الوقت الذي لا رجعة فيه. واذا كنتم تريدون قيام الدولة، تذكروا ان لبنان لم يعد لديه ترف إهدار الوقت". هذا صحيح. لكن الدول التي مرت بهذه التجربة بقيت مؤسساتها عاملة بانتظام، ومدعومة بثقة شعبها بالدستور والمؤسسات وحكم القانون. ووضعها لا يقارن بما هو عليه وضعنا من سوء، خصوصاً على المستويين المالي والاقتصادي وانهيار الخدمات الأساسية والحياتية للناس. تحدث الرئيس عن مكافحة الفساد. كانت كلمة الرئيس لتكون مختلفة لو تضمنت رسائل أربعاً عملية تضع مضمون الكلمة موضع التنفيذ: أمّا الرسالة الأولى، دعوة الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري تقديم لائحة الحكومة وإصدار مرسوم التأليف فوراً. وأمّا الثانية، إقالة المسؤولين عن فضيحة سدّ المجاري التي طافت مخرجاتها بأجزاء واسعة من قلب العاصمة، والإيعاز الى القضاء  الشروع فوراً بمحاكمتهم مع مفتعلي الأزمة في منطقة الإيدن روك وشارع بلسّ. وأمّا الثالثة، دعوة فوراً الى اجتماع لبتّ ملف الكهرباء، الفضيحة الأبدية المقيمة. وأمّا الرابعة، تحصيل كل الضرائب المتوجبة للخزانة والموازنة من المحتالين على القانون والدستور. وتقدّر وفقاً لكل الدراسات الرسمية والدولية بنحو 5 مليارات دولار اميركي سنوياً. الإجراءات الأربعة متوجبة دستوراً وقانوناً، وصُلب ما ورد في الكلمة الرئاسية. لم يعد لدينا وقت لنهدره. المترَفون، هم المتهربون من سداد الضريبة، ومن استباحة الحقوق العمومية التي بلغت حد العبث بالبنية التحتية التي لا نملك مالاً لمجرد صيانتها منذ 20 عاماً. وهم المستقوون على الدستور وكيان الدولة. هؤلاء سبب البليّة وموطن العلّة. فلتكن البداية من هنا، لتتفرغ الحكومة الجديدة ومجلس النواب الى معالجة الأزمات البنيوية المستوطِنة. المترّفون على حساب الوطن وناسه وتعاسته، إمّا أن يستحقوا المواطنة حقوقاً وواجبات، وإمّا الى الجحيم ليذهبوا، كي يبقى الوطن والشعب والدولة.

يختلط الأمر عندنا لفرط الفساد والإفساد، بين الاصلاح المالي والاقتصادي والاداري من جهة، وبين استئصال الفساد والفاسدين من جهة ثانية. والحقيقة أن الشأنين مختلفين ولو أديا الى نتائج مماثلة. أن تكون الدولة بعيدة من الفساد، وتطبق القوانين في حق القائمين عليه والمنتفعين منه في القطاعين العام والخاص، شأن طبيعي في دولة سوية. وقاعدة أساسية في مدونة سلوك الحكم النظيف والحكومة الرشيدة، لا يستحقان جائزة عليه. أمّا الاصلاح فخيارات النموذج الاقتصادي الذي نريد، ويتلاءم مع النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ورفاه المواطن. وهو أيضاً خيارات السياسات المالية والنقدية والاقتصادية الملازمة خيار النموذج. كان الاقتصاد المنتج ركيزة في خطابات مبكرة لرئيس الجمهورية أعاد التأكيد عليها اكثر من مرة. وهذا توجه حميد ومطلوب لنموذج اقتصادي لا قيامة للبنان من دونه. في باكورة خطبه قال الرئيس أكثر، أن قوة النقد لا تعتمد على الدين ولا يجب. الرئيس ورث تركة الدين ولم يأت بها. لكنه خلال سنتين من عهده، لم يُصدِّع ركناً واحداً من أركان نموذج الريوع البائس. تقتضي الموضوعية القول، أن المهمة ليست وقفاً على الرئيس وحده. بل وعلى حكومة متجانسة حداً أدنى، في وجه تكتلات سياسية معاندة النموذج لعلّة في ارتباط زبائني عتيق. ونخشى أن يكون بين المقرّبين من الرئيس، من لدَن النموذج اقتصاد الريوع الذي يتناوله بالسوء. ربما لو دقّق الرئيس قليلاً لتظهّر المشهد وبان.

الخطاب الحّسن يعوزه الفعل الحَسن. نتوجه الى رئيس جمهورية لبنان لنقول، بعد 75 عاماً على الاستقلال، لبنان ينوء بالأثقال على كيان دولة وشعب ووطن. ولأنك عليم بخطورة الوضع كما هو عليه في هذه اللحظة بالذات، سجّل إنك فعلت ما تمليه عليك مسؤولياتك الدستورية وضميرك الوطني. الإنقاذ الآن... .

 

 

 

 

آخر المقالات


إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"

شكراً لمركز الشمال للتوحد

عصام عازوري

"مركز الشمال للتوحد" يرد و...شكر على التوضيح

يوم التوحد والغرفة المغلقة

عصام عازوري

عن الغرفة الخاصة بالأطفال المصابين بالتوحد في مطار بيروت الدولي