جورج عيسى

2018 Nov 27




على الرغم من حجم المشاركة الكبير الذي تمتّعت به احتجاجات "السترات الصفراء"، لم يكن هنالك ما يدعو للمفاجأة إزاء ما يواجهه اليوم الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون. يوم السبت في 17 تشرين الثاني، نزل الفرنسيّون إلى الشارع بسبب فرض ضريبة بيئيّة على استهلاك الوقود وأقاموا حواجز لإبطاء حركة السير. واستمرّت الاحتجاجات بوتيرة أخف في الأسبوع التالي قبل أن تستعيد الزخم يوم السبت الماضي. شهدت المدن الفرنسيّة، وخصوصاً باريس منذ ثلاثة أيّام، صدامات بين المحتجّين والشرطة التي أطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريقهم ومنعهم من الوصول إلى الإليزيه. وبدأت الحركة الاحتجاجيّة ردّاً على فرض رسوم على المحروقات ابتداء من كانون الثاني المقبل (بين 0.03 و 0.06 يورو على ليتر السوبر والديزل)، قبل أن تتوسّع الشعارات لتدعو ماكرون إلى الاستقالة.

أطلق المحتجّون على حركتهم اسم "السترات الصفراء" لارتدائهم سترات فوسفوريّة يتوجّب على السائقين ارتداؤها في حال تعرّضوا لحادث سير. خلال الاحتجاجات قُتل شخصان على الأقلّ وجُرح أكثر من 500 آخرين، فيما شهدت جزيرة "لا ريونيون" الفرنسيّة في المحيط الهندي أسوأ موجة عنف في 30 سنة على هامش المظاهرات. ووصلت نسبة البطالة فيها إلى 28%، بينما يعيش أكثر من 40% من سكّانها تحت خطّ الفقر. لكن بالرغم ممّا سبق، يبقى لافتاً للنظر كيف تناقصت أعداد المحتجّين من سبت لآخر. ففي الأوّل، وصلت أعداد هؤلاء إلى حوالي 290 ألفاً، قبل أن تصل إلى حوالي 106 آلاف السبت الماضي.

دعا ماكرون لإجراء حوار يشرح فيه الطرفان وجهتي نظرهما للتوصّل إلى حلول ميدانيّة. وأسف أيضاً لوقوع اعتداءات ضدّ الشرطة واصفاً ما حصل ب "العار". على أيّ حال، تستمرّ شعبيّة الرئيس الفرنسيّ بالتراجع بشكل مطّرد. بين 9 و 17 تشرين الثاني، أجرت شركة "إيفوب" استطلاع رأي وجد أنّ شعبيّة ماكرون تراجعت إلى 25% بعدما كانت 29% الشهر الماضي. لكنّ استطلاعاً آخر أجرته "أوبينيون واي" نُشر في 18 تشرين الثاني أشار إلى أنّ شعبيّته لم تتغيّر منذ تشرين الأوّل وبقيت عند حدود 29%. بغضّ النظر عن أيّ من الاستطلاعين هو أقرب للواقع، تبقى هذه النسبة منخفضة حتى ولو لم تشهد تغيّراً عن الشهر الماضي، علماً أنّ الفترة الزمنيّة للاستطلاعين انتهت عند بداية حركة الاحتجاجات.

بعد الأيّام المئة الأولى لوجوده في الإليزيه، كان ماكرون يحظى بتأييد 36% من الفرنسيّين فيما حظي سلفه فرانسوا هولاند بنسبة تأييد وصلت إلى 46% خلال الفترة نفسها. وفي أيلول الماضي، كانت شعبيّة ماكرون عند مستوى 31% (هولاند 32%) ممّا يعني أنّها في تآكل مستمرّ. وقد تُفسَّر هذه الأرقام عموماً بسوء الأداء الاقتصاديّ (0.4% نمو في الربع الثالث و 0.2% في الربعين الثاني والأوّل مقابل 0.7% في الربع الأخير من 2017). كذلك، أدخلت تعديلات أخرى على العمل في القطاع العام من بينها زيادة بعض الضرائب وخفض الوظائف وتقييد القواعد في ما يرتبط بالإجازات المرضيّة. وقد أدّت إلى انطلاق مظاهرات كبيرة في البلاد منذ حوالي سنة.

اعترف ماكرون خلال مقابلة إعلاميّة الأسبوع الماضي بأنّه "فشل في مصالحة الفرنسيّين مع قادتهم". لكنّ مشكلة ماكرون الحقيقيّة، أو إحدى مشاكله، تكمن في أنّه فشل حتى بمصالحة السياسيّين المقرّبين منه، مع أفكاره. فخلال ستّة أسابيع، استقال وزيران من حكومته، كان ثانيهما وزير الداخليّة جيرار كولومب أوائل تشرين الأوّل الماضي بعدما كان قد صرّح في حديث إعلاميّ بأنّ ماكرون "ينقصه التواضع". وفي أواخر آب، استقال وزير البيئة نيكولو هولو على الهواء قبل إبلاغ الرئيس، قائلاً إنّه يشعر "وكأنّه يعمل وحده" في مجال البيئة.

ليست سياسات ماكرون الضريبيّة وحدها ما يصيب رئاسته بالوهن. في أيّار، اعتدى حارسه الشخصيّ ألكسندر بانيلا على أحد المتظاهرين الأمر الذي أثار ضجّة فرنسيّة واسعة. وفي أواخر أيلول، وحين كان ماكرون في زيارة إلى جزيرة سانت مارتن الفرنسيّة، التقط صورة سيلفي مع أحد الشبّان وهو يرفع إصبعه الأوسط. طرد ماكرون بانيلا فيما قال عن الحادثة الثانية إنّ مضمون الصورة اجتزئ من إطاره مشيراً إلى أنّه طالب الرجل وهو أربعينيّ خرج من السجن حديثاً، ب "التوقّف عن العبث" وتفادي ارتكاب "المزيد من الأخطاء". يمكن أن يكون ما حاول ماكرون فعله في زيارته هو "إزالة الصورة النخبويّة" عنه بحسب تحليل زاخاري لوب في مجلّة "بوليتيكو". فماكرون وُسم طويلاً بأنّه "رئيس الأغنياء" (الوصف نفسه أطلِق عليه خلال الاحتجاجات الأخيرة) وهو الذي ترتفع نفقات الإليزيه في عهده والذي يلقي محاضرة على شبّان عاطلين عن العمل حول كيفيّة الحصول على وظيفة كما كتب.

بالعودة إلى طبيعة الاحتجاجات، يبدو أنّ الأخيرة تعبّر عن يأس طبقة ما عادت ترى مبرّراً في السياسات الضريبيّة الجديدة. أشارت صحيفة "لو موند" إلى أنّ "السترات الصفراء" تمثّل الناس الذين "يكسبون كثيراً كي يحصلوا على أي مساعدة من الدولة أو إعفاءات ضريبيّة، لكنّ قلّة قليلة منهم تكسب ما هو كافٍ لتعيش بشكل مريح. يعيشون جميعهم في أماكن حيث الخدمات العامّة ضعيفة على الأرض وهم لا يرون بعد اليوم منافع في دفع ضرائب". وفيما تساءلت صحيفة "لو فيغارو" عمّا إذا كان "للسترات الصفراء" إمكانيّة النجاح حيث فشل اليسار والنقابات برزت تساؤلات أخرى عمّا أمكن أن تكون خطواتها التالية.

عيّن الحراك ثمانية ناطقين باسمه يشكّلون صلة الوصل بين المتظاهرين والسلطة الفرنسيّة، لكنّهم أكّدوا أنّه مقابل إدانتهم لأعمال العنف، سيتصاعد تحرّكهم إن لم تقابَل مطالبهم بانفتاح حكومي واقتراحات جدّيّة لحلّ الأزمة. لكنّ الناطق باسم الحكومة الفرنسيّة بنجامين غريفو قال إنّ الوزراء لن يجتمعوا بممثّلي "السترات الصفراء" في "الظروف الحاليّة". هنالك مؤشّرات بوجود استعداد لتحرّك كبير آخر يوم السبت المقبل. لكنّ الرهان بالدعوة لاحتجاجات كبيرة كلّ يوم سبت قد يحمل مخاطر فشل بارزة.

"الحراك يمكن أن يختفي فعلاً عبر الاستنزاف"، يقول رئيس وكالة الأبحاث "بولينغفوكس" جيروم سان ماري في حديث إلى وكالة الصحافة الفرنسيّة. وقدّم سان ماري توقّعاً جازماً للوكالة نفسها: "إذا كان هنالك فقط 50 ألف متظاهر السبت المقبل، فالأمر منتهٍ". 

 

 

 

 

 

 

 

آخر المقالات


إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"

شكراً لمركز الشمال للتوحد

عصام عازوري

"مركز الشمال للتوحد" يرد و...شكر على التوضيح

يوم التوحد والغرفة المغلقة

عصام عازوري

عن الغرفة الخاصة بالأطفال المصابين بالتوحد في مطار بيروت الدولي