سميح صعب

2018 Dec 10




  "إنهم يقتحمون السماء. في 18 آذار 1871 صحت باريس على صيحة كقصف الرعد. عاشت الكومونة". 

هذا ما قاله ماركس واصفاً رجال كومونة باريس التي أُعلنت رداً على الهزيمة العسكرية الفرنسية أمام جيش بسمارك البروسي في حرب 1870. ومع أن الحكومة الفرنسية سحقت في ما بعد الكومونة التي اعتبرت أول حكومة اشتراكية في العالم، فإن الواقعة التاريخية هي جزء من روح التمرد التي تغمر الفرنسيين عند كل منعطف منذ الثورة الفرنسية عام 1789. وهي الروح نفسها التي انفجرت في التظاهرات الطلابية عام 1968 وكانت مقدمة لانصراف شارل ديغول في العام التالي عندما صوت الفرنسيون ب"لا" في استفتاء على إصلاحات اقترحها.   

  وفي 5 آيار 2017 تمرد الفرنسيون عبر صناديق الاقتراع ورموا بأحزابهم التقليدية من يمين ويسار خارج السلطة في "انقلاب" شرعي، وأتوا بإيمانويل ماكرون الشاب على رغم عدم امتلاكه تلك الخبرة السياسية التي تؤهله لدخول الإليزيه. لكن ما العمل إذا كان أبرز عامل في نجاحه، هو أن منافسته مارين لوبن تنتمي إلى اليمين المتطرف والعالم يذوق الأمرين بتجربة دونالد ترامب الشعبوية؟   

لم يكن ماكرون خيار الفرنسيين في البداية، لكن إفلاس اليمين التقليدي واليسار الاشتراكي في معالجة آثار الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم في 2008، دفع الناخب الفرنسي إلى الخيار الثالث.    

ويخطئ ترامب إذ يعزو حركة "السترات الصفراء" إلى أفكاره التي استندت إلى رفض اتفاق باريس للمناخ. وليس صحيحاً أن المتظاهرين الفرنسيين قالوا "نريد ترامب" وفق ما جاء في تغريدة الرئيس الأميركي الغاضب من ماكرون بسبب ما رأى فيه "إهانة" عندما دعا ساكن الأليزيه إلى إنشاء جيش أوروبي خاص. ووزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان يدعو علناً ترامب إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية لفرنسا، ذلك أن الوضع لا يحتمل صب الزيت على النار ولا التلذذ بشعور الشماتة إذا كانت شوارع المدن الفرنسية تحترق بلهيب نار خيبة الأمل من رئاسة ماكرون.    

خيبة الأمل التي أصابت الفرنسيين بشكل أفقي، بدأت مع الأيام الأولى لرئاسة ماكرون، منذ أعلن الرجل أنه سيلغي الضريبة على الثروة. سارع الفرنسيون ووسائل الإعلام ليطلقوا عليه صفة "رئيس الأغنياء". لكن الرئيس الآتي بنسبة 66 في المئة من أصوات الفرنسيين، لم يصغِ لمقدمات التململ الآتي من الشارع. أساء الحسابات. واعتقد أنه بقليل من الحزم يمكن أن يتقبل الناس إصلاحاته لإنعاش الاقتصاد الفرنسي.   

منذ البداية اتخذ ماكرون جانب الشركات الكبرى. انحاز إلى الأغنياء. وأوغل في استفزاز الطبقتين المتوسطة والفقيرة. والغريب أن النقابات ذات التاريخ العريق في بلد الخدمات الإجتماعية لم تتحرك. وكان قرار رفع أسعار الوقود بمثابة النقطة التي طفح بها كيل الشارع، فتنادى أشخاص لا يعرفون بعضهم بعضا، قاسمهم المشترك، الضغط التي تضعه إصلاحات ماكرون على كاهلهم. لا وجود لمؤامرة ولا من يتآمرون في بلد تخطى شعبه الشعور الطائفي ولا يحركه سوى وعي المشاكل والاخطار المحدقة به. ولا يمكن لماكرون أن يفلت من الحساب. الشارع الذي أتى به رئيساً يخضعه للمساءلة اليوم. فلا تحصين الشوارع بالدروع وإنزال القوى الأمنية ولا الاستعانة بالجيش يمكن أن تهدئ حركة الناس الذي تكتوي جيوبهم بنار الإصلاحات بينما يقف الأغنياء يضحكون في سرهم من بعيد.  

إن ثقافة التمرد التي تسري في عروق الفرنسيين، هي التي تحمل الفرنسيين إلى النزول إلى الشوارع. وماكرون الذي يسمع هدير الاحتجاجات، مطالب بالإصغاء قبل فوات الآوان.

آخر المقالات


إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"

شكراً لمركز الشمال للتوحد

عصام عازوري

"مركز الشمال للتوحد" يرد و...شكر على التوضيح

يوم التوحد والغرفة المغلقة

عصام عازوري

عن الغرفة الخاصة بالأطفال المصابين بالتوحد في مطار بيروت الدولي