عصام الجردي

2019 Jan 03




لبنان مشغول اليوم بدعوة الرئيس السوري بشار الأسد الى القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية، أكثر من انشغاله بتأليف الحكومة. مشغول بغير القادر عليه ومختلف على ما يقدر عليه ويتوجب. كتبنا في مقالة سابقة أن لبنان يستضيف القمة بناء على طلبه. لكنه ليس مخولاً دعوة عضو في جامعة الدول العربية بوجود قرار من مجلس وزراء الخارجية العرب بتجميد عضوية سوريا في الجامعة. ونضيف، أن لبنان العاجز عن تأليف حكومة بعد انتخابات نيابية منذ ثمانية شهور، مستعد لاستدعاء مشكلة عربية على أراضيه لا تحل إلاّ بقرار عربي في المكان نفسه الذي جمّد عضوية سوريا، أي مجلس وزراء الخارجية العرب، حتى لو بادرت دول عربية فرادى الى اعادة فتح سفاراتها في دمشق. قد يقول البعض أن دولة الامارات العربية التي أقدمت على خطوة مماثلة لا بد أن تكون مدعومة من المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي ومصر استطراداً. لا بأس لندع الدول العربية المعنية المقرِرة في الجامعة تفعل ذلك لو أرادت.

لبنان لديه فرصة لتحويل المناسبة نفعاً سياسياً واقتصاديا له. لا يوجد في مشروع جدول أعمال القمة بنداً خاصاً بلبنان. لكن كلاماً كثيراً صدر عن قادة عرب وخليجيين وعن سفرائهم في بيروت، يحمل اشارات ايجابية تجاه لبنان. بصرف النظر عمّا تردد من مبادرات جديدة مالية ونقدية للبنان لمناسبة القمة، لكنها مناسبة قد تعيد فتح أبواب لبنان في وجه السياحة الخليجية والاستثمارات المباشرة. وهي القضية الأهم التي يعول لبنان عليها بعد تراجع التدفقات النقدية وتباطؤ الودائع المصرفية وعجز ميزان المدفوعات. الأجيال الخليجية التي دأبت عقوداً على زيارة لبنان والاقامة فيه على مدار السنة، هي غيرها الآن في دول الخليج. تلك الأجيال عرفت لبنان عقوداً من خلال ذويها. أو تلقت تعليمها في لبنان. أو استشفت فيه. أو ورثت استثمارات وخلافه. أمّا الجيل الجديد فاعتاد دولاً أخرى في اوروبا وآسيا والولايات المتحدة وأصقاع أخرى. الكلام عن ارتفاع عدد السائحين في لبنان، أو المسافرين عبر مطار رفيق الحريري الدولي والوافدين اليه، لا يعول عليه كثيراً. بل على ما ينفقه السائح في لبنان وعلى مدة اقامته فيه. يعرف ذلك جيداً أصحاب المؤسسات في قطاع الفنادق والمطاعم ودور اللهو. وأصحاب المنازل والشقق المعروضة للإيجار والبيع. وأصحاب مكاتب تأجير السيارات. وتجار التجزئة والمخازن الكبرى. من يتنكر لهذه الوقائع يتنكّر لمصلحة لبنان واقتصاده. ولا نقصد بكلامنا هذا أي مقاربة سياسية لتوجهات دول الخليج العربي ومواقفهم. وهناك الكثير ليقال في هذا المجال. وكلّما تأخرنا في تأليف الحكومة، كلّما تراجع مستوى الحضور العربي في القمة. وقد يكون تأليف الحكومة ونوالها ثقة مجلس النواب قبل انعقاد القمة عاملاً لترفيع مستوى التمثيل وفاتحة لمبادرات النوايا الحسنة تجاه لبنان. فلماذا هذا التزلف في غير مكانه لنظام دمشق والتنكر لمصلحة لبنان القابع في أشد أزمة مالية واقتصادية واجتماعية؟

يعرف وزير المال علي حسن خليل الذي قال إنه لا يرغب في قمة من دون سوريا، أن لبنان لا يقرر في هذا الشأن. لكنه يعرف أكثر من غيره دقة الوضع المالي وإمكان تحول الأزمة نقدية على ما أضاف. وقد أرسل في خطبه وتصريحاته الأخيرة الكثير من الاشارات الحمر واستعجل تأليف الحكومة. ونخاله يعلم أن افتعال أزمة حضور سوريا قمة بيروت الاقتصادية لا يخدم لا تأليف الحكومة ولا الوضع المالي. وها هو الوزير يؤكد من جديد بعد زيارته الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري على إمكان "عقد الحكومة جلسات لإقرار  الموازنة ( 2019 ). وهذا ليس تحديا لأحد ولسنا على خلاف مع الرئيس الحريري. ولكن الأمر يحتاج الى المزيد من الدرس رغم أننا نعتبر أن الأمر دستوري، فمفهوم تصريف الأعمال بالمعنى الضيق يجوز لشهر أو شهرين، ولكن عندما تطول مهلة تشكيل الحكومة وتتأخر، وعندما يكون الأمر يتعلق بالانتظام المالي الذي اعددناه فعندها يصبح أمر انعقاد الحكومة ممكنا كما حصل مع حكومة رشيد كرامي". ونبّه "إذا تأخر تشكيل الحكومة شهراً فإن بعض الوزارات قد لا يتوفر لها الأموال وسنكون مضطرين لإيجاد سبل لتأمينها".

حسناً فعل وزير المال. كلامه يعني عدم توفر التمويل الكافي لكل قطاعات الدولة بعد شهر من الآن لو تأخر تأليف حكومة. ويقترح بتحفظ جلسات حكومية لإقرار مشروع قانون الموازنة واحالته الى مجلس النواب من دون أن يعني الأمر تحدياً للرئيس الحريري". ويستشهد بسابقة في هذا المجال. يقتضي القول هنا أمرين. الأول لقد انصرمت المهلة الدستورية لإقرار الموازنة في مجلس الوزراء وتحويلها بحسب الأصول في عقد تشرين الأول العادي لمجلس النواب. الأمر الثاني، أن إقرار موازنة ليس من صلاحيات حكومة تصريف أعمال. بموجب المادة 65 من الدستور يعتبر إقرار الموازنة من المواضيع الأساسية التي تحتاج الى أكثرية ثلثي أعضاء الحكومة. مثلها مثل "تعديل الدستور، إعلان حالة الطوارئ وإلغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها، إعادة النظر في التقسيم الإداري، حلّ مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الأحوال الشخصية، وإقالة الوزراء". مع ذلك، ليعقد مجلس الوزراء جلسة لإقرار الموازنة بصرف النظر عن جنس الملائكة. لأن كل ما وصلنا اليه كان بفعل تجاوز الدستور وتعطيل القوانين. بلا "ضرورات تبيح المحظورات". بل لتركيب سلطات دستورية بالأمر الواقع وتركيب أزمات بالأمر الواقع. وعدم تأليف الحكومة جاء بفعل "تقاليد وأعراف جديدة" تحدث عنها رئيس الجمهورية ميشال عون بالذات. ننتظره ليعيد الأعراف الدستورية والتقاليد الى العمل. الرئيس فقط مخولٌ هنا القول والفعل أيضاً.

 موازنة 2018 أُقرت على عجل لملاقاة مؤتمر سيدر. رئيس الجمهورية وعد بقطع حساب لاحقاً. لا قطع الحساب حصل، ولا توقعات الموازنة استجيبت بكل المعايير وأصبح الأمر معروفاً. موازنة 2017 اعتبرت الأولى بعد اثنتي عشرة سنة. وبلا قطوع حسابات سابقة يستحيل معها قطع حساب لموازنة أخيرة. نحن الآن عملياً ومحاسبياً بلا موازنة منذ أربع عشرة سنة. ومع 2019 خمس عشرة سنة. وصلنا الى أدهى. لا حكومة ولا مجلس وزراء لإقرار موازنة واحالتها الى مجلس النواب ضمن المهلة الدستورية. لم نتحدث عن الموازنة بعد، وعن تمويلها وعن الاصلاحات وعن تعهدات مؤتمر سيدر. ومختلفون على دعوة سوريا والأسد الى القمة. فجورٌ!

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"