سميح صعب

2019 Jan 08




لن يدع رجب طيب أردوغان الفرصة تفلت. وتحت طبقة الغبار، التي أثارها القرار المفاجئ لدونالد ترامب بسحب كامل القوات الأمريكية من سوريا، قرر الرئيس التركي تصحيح التاريخ من وجهة نظره. وهو يعتبر أن سايكس-بيكو قبل مئة عام، كانت اتفاقية أملاها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وإنها ألحقت الحيف، وأن الفوضى السورية هي فرصة تاريخية لن تتكرر للعب بالجغرافيا.  

متجاهلاً المناشدات الأميركية والأوروبية، يقف أردوغان اليوم على عتبة الانتقام لطرد العثمانيين من سوريا ورسم الحدود بخلاف ما كان يرغب به أجداده. واليوم الفرصة سانحة للثأر من التاريخ وإعادة رسم الحدود بالكيفية التي تتماشى مع طموحات "السلطان". ألم يقرر ترامب في مكالمة هاتفية قبل أسابيع أن يهدي سوريا لتركيا مقابل تعهدات واهية من المسؤولين الأتراك بمحاربة "داعش"؟. والجميع يعرف أن "داعش" ما كانت لتنشأ من دون جوازات المرور التركية ل"جنود الخلافة". ومنذ أيام فقط أيقظ أردوغان شياطين "جبهة النصرة" في حلب وإدلب بخلاف كل التطمينات التي أعطاها لفلاديمير بوتين في أستانا وسوتشي بالتكفل بالقضاء على هذا التنظيم.

يستعد أردوغان للعبور إلى شرق الفرات ليطارد الأكرد حتى الحدود العراقية ولينشيء شريطاً حدودياً بعمق يتراوح ما بين 30 إلى 40 كيلومتراً من اللاذقية حتى القامشلي مروراً بإدلب وحلب والرقة والحسكة. والمبرر التي يتكئ عليه الرئيس التركي هو محاربة "وحدات حماية الشعب" الكردية التي يعتبرها مجرد امتداد ل"حزب العمال الكردستاني" الذي يخوض كفاحاً مسلحاً في جنوب شرق تركيا منذ 1984 للحصول على الحكم الذاتي.  

ومع ذلك، فإن غاية أردوغان أبعد بكثير. ويبدو الرجل وكأنه يهيء الأتراك والإقليم لاحتلال تركي دائم في سوريا. ها ما يستشف من المقال الذي نشره في صحيفة "النيويورك تايمز" الثلثاء، بإعلانه العزم على تشكيل "قوة استقرار" في شرق الفرات بعد القضاء على "وحدات حماية الشعب" الكردية. ومن ثم إجراء انتخابات "تحت رقابة تركية" لاختيار مجالس محلية تدير المناطق ذات الغالبية الكردية والمناطق الأخرى التي تخضع الآن للسيطرة التركية.  

المسؤولون الأميركيون لا يتمتعون بأي صدقية عندما يقولون إنهم لن يسمحوا بذبح أكراد سوريا. ماذا فعلت أميركا لتمنع تهجير الأكراد من عفرين العام الماضي؟ لا شيء. ومن غير المتوقع أن تفعل الآن لمنع تهجير كردي أوسع نطاقاً من منبج وشرق الفرات.

وكما تخلت أميركا عن أكراد العراق، يمكن أن تتخلى عن اكراد سوريا. وهي لن تضحي بمصالحها الأوسع من أنقرة كي تنقذ الأكراد السوريين. أما منهتى الغرابة، فهو عندما يتبجح ترامب في تغريداته بأنه أوكل إلى تركيا مهمة قتال "داعش" بعد الانسحاب الأميركي. الكل يعلم أن أنقرة ليست مهتمة بقتال "داعش" وإنما غايتها الحؤول دون قيام أي كيان سياسي كردي على حدودها الجنوبية، ومن ثم قضم جزء من الأراضي السورية.

ولا تغيب الاستراتيجيا عن رسم المشهد السوري في الوقت الحاضر. وعندما قال ترامب لأردوغان "سوريا لك"، كان يدور في ذهنه أن هذه الخطوة خير إغراء لإبعاد أنقرة عن المضي في توثيق علاقاتها مع روسيا وإيران. وبما أن التاريخ خير شاهد على الأحداث، فإن فرنسا وهبت  لواء الإسكندرون السوري لتركيا عام 1938 ، في مقابل عدم تحالف الأتراك مع ألمانيا عشية الحرب العالمية الثانية.  

يقف أردوغان اليوم ليقول بثقة لا متناهية، إنه الزعيم الوحيد في المنطقة القادر على التعامل مع أميركا وروسيا في الوقت ذاته فوق الأراضي السورية. قول صحيح، لأن كلاً من واشنطن وموسكو تحتاجان إليه وتحاولان خطب وده. وفلاديمير ابتلع كبرياءه مرتين عندما أسقطت مقاتلات تركية مقاتلة روسية عام 2015، وعندما اغتيل السفير الروسي في أنقرة أندريه كارلوف العام التالي. أما الأميركيون والأوروبيون فإنهم يتجنبون الخوض في خلافات معه تصل إلى حد يمكن أن تنتقل معه تركيا من معسكر إلى معسكر في عالم تزداد استقطاباته مع تجدد الحرب الباردة.  

وسط هذه المعمة يبحث الأكراد عن منقذ. وخطأهم الوحيد أنهم وثقوا بالولايات المتحدة أكثر مما يجب.

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"