عصام الجردي

2019 Jan 10




منذ 20 سنة لم تنفق الحكومات المتعاقبة ما يُذكر على صيانة البنية التحتية والمرافق العامة. قبل 20 سنة كان حجم الاقتصاد نحو 45 مليار دولار اميركي. بات الآن نحو 55 ملياراً. يفترض أن عدد اللبنانيين قد ازداد خلال 20 سنة. واستضاف لبنان نحو مليون ونصف مليون نازح من سوريا اذا صحّت الارقام. ففي بالبلد السائب لا يعمل عدّاد الدخول والخروج. وازداد الضغط على خدمات البنية التحتية. طرقات، كهرباء، مياه، هاتف، مجاري الصرف الصحي، التعليم، الصحة وخلافها. كل شيء. ولأن الفجوة بين قدرة البنية التحتية لتوفير الخدمات، وبين الاستثمار في مرافقها كانت تجري في اتجاهين معاكسين، جاءت العاصفة التي ضربت لبنان بنتائج عاتية انسانياً واجتماعياً ومالياً. العاصفة كانت قضاءً بالقانون الطبيعي وظروف المناخ. اما القدر، فكان بالقانون الوضعي ومن صنع أيدينا. سيكون الوضع أصعب في عاصفة ثانية مرتقبة لو صدقت توقعات المراصد الجوية. مع ذلك، فعصف الكارثة لم يؤد الى عصف أخلاقي يدفع بالقابضين على السلطات والساسة الى اعادة لملمة السلطات، وما تبقى من أدوات حكم في البلاد لجبه الأعظم الذي لم يأت بعد. أي السلطات التي تبعثرت على أياديهم، ووهنت، وباتت مشهداً لا وصف يفيه حقه. تأليف الحكومة الخطوة الأولى المفترضة. بصرف النظر عما ستؤتيه من نتائج. إذ أن المشهد السياسي والوطني في لبنان اليوم، لا يوجد نظيره في العالم. حتى في اليمن وسوريا والصومال. أي البلدان غير المشمولة في مندرجات الوكالات الدولية المعنية بالتصنيف السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي. لفتني تصريح النائب شامل روكز حين طالب بحكومة اختصاصيين. وسأل ماذا يفعل وزراء الدولة لشؤون مكافحة الفساد وشؤون مجلس النواب وغيرهم؟ وخاطب المعنيين إن "الناس تشتمكم". غاب عن بال النائب أن "الدني عمتشتي" والموسم شتاء!

حين استدعى رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الهيئة العليا للاغاثة والوزراء المعنيين لبحث تعويض المتضررين من العاصفة، كان يدرك سلفاً استحالة المهمة شكلاً ومضموناً. شكلاً، لأن ما من هيئة أو جهة قادرة على تحديد من تنطبق عليه مواصفات من هو المتضرر أولاً. وحجم الضرر ثانياً. ومضموناً، ما هو مقدار التعويض أولاً، ومن أين سنموله ثانياً. قضاء القانون الطبيعي وضعنا أمام أزمة انسانية واجتماعية. وقدر القانون الوضعي انكشف على قصور ذاتي لمواجة أزمة جديدة تضاف الى الأزمات المقيمة. وأساس الانكشاف سياسي أولاً، ومالي ثانياً، ومؤسسي ثالثاً وأخيراً. لو صحّت التوقعات بعاصفة ثانية في الطريق، لن يتغير المشهد كثيراً سوى بالكمّ. في المضمون البلد متروك للقضاء والقدر. لن نفاجأ لو تحولت قضية تعويض المتضررين مشكلة سياسية وطائفية. فالعاصفة لها زبائن أيضاً. ولها مسؤولون وساسة يبيعون خدمات ممولة من مواطنين يحسبهم المسؤول زبائن. المتضررون كثُرٌ. منازل، ومنشأت، وسيارات، وزراعة، ومدارس خاصة وغيرها. هل يصنّف مالك عشرات الهكتارات الزراعية متضرراً لتعويضه من المكلّف اللبناني صاحب الدخل المحدود أو عاطل من العمل؟ هل نعوض المنشأة الزراعية أم الموسم؟ ولكل طائفة زراعاتها ومواسمها.. كل العواصف عاتية وقوية في الدولة الهشّة. لكن من أين نأتي بالمال؟

لقد استنفدنا احتياط موازنة 2018 خلال شهور معدودة من السنة. واعتمادات الهيئة العليا للاغاثة لا تكفي. وانتقل بنا العجز والدين الى المرحلة التي كنا نتهيّب الحديث عنها بالمباشر. حين قال وزير المال علي حسن الخليل إن المال يكفي شهراً اذا لم تؤلف الحكومة، إنما تحدث عن رأس الأكمة. بنيت على التصريح تقارير مالية تحدثت عن المدخرات الوطنية وقرش الأرملة. وبدأت تتحسب لنكول في ذمة الدولة المالية تجاه دائنيها الأجانب. لكن الدائنين الوطنيين أيضاً في ذمة دولة، استسهلت منذ الطائف نهج التمويل بالدين والفوائد، وبمثله تثبيت سعر الصرف. والدولة كانت على دراية في أن مآل هذا النهج الى انهيار لو لم تشرع في تحفيز الاقتصاد الحقيقي، وتوقف مسارب الفساد السياسي، واقتطاع المؤسسات الخدمية والوزارات السيادية لتوزيعها مغانم لهذا السياسي أو ذاك، باسم حقوق الطوائف المزعومة. والدستور تحدث عن حقوق المواطن أصلاً. مع ذلك لم تأبه الدولة للآتي واستمرت على المثالب نهجاً. وكان ميسوراً زمن الوفرة حين كان الاقتصاد يحقق نمواً حقيقياً بواقع 6.5 و7 في المئة معدلاً وسطاً، تصويب الوضع وخفض العجز المالي. وكانت التدفقات النقدية موفورة هي الأخرى لدعم سياسة تثبيت سعر الصرف. لم تفعل الحكومة والحكومات شيئاً من هذا القبيل. ولا نتحدث بعد عن الديون المصرفية للقطاع الخاص. وعن الضمانات في المقابل. هو ملف سميك ينتظرنا.

كتبنا كثيراً عن شراء الوقت بالفوائد العالية. وجاء من تصدى بمقولة فوائد السوق بعد ارتفاعها دولياً. ولم يتردد المسؤولون عن الاعتراف بنسب الفوائد الاضافية لقاء علاوة المخاطر السيادية. واستمررنا في السبيل نفسه لننتقل هذه المرة الى المخاطر المؤسسية. والفارق كبير بين الإثنتين. المخاطر السيادية حين تنكشف المصارف على دولة عاجرة مالياً في اطراد. وعلى تسارع نسبة الدين بما يتجاوز نسبة النمو الاقتصادي. وعلى دورات اقتصادية هابطة مصحوبة بعدم استقرار أمني ومخاطر جيوسياسة اقليمية. وعلى ضعف في مصادر التدفقات النقدية، يهدد سعر الصرف، وتكلفة الاستثمار، ويفسد المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والكلية. لقد حصل كل ذلك عندنا ومستمر. أما المخاطر المؤسسية فتلك التي تتصل بهيكل الحكم والحكومة ومؤسسات الدولة الدستورية والقوانين والانتظام العام. ودعونا نقول أن هذا النوع من المخاطر من شأنه أن ينيخ الدول ويبدد الموارد وينشر الفوضى وانعدام الثقة بالدولة والبؤس الاجتماعي. وينفّر المستثمر، ويرحّل الرساميل الى الخارج والمدخرات الوطنية. حتى لو كان الاقتصاد يحقق نمواً. ولا علاقة البتّة من قريب أو من بعيد لوكالات التصنيف والمؤسسات الدولية والمانحين قروضاً ومساعدات بالمخاطر المؤسسية. فهي من صناعة وطنية بامتياز. نحن الآن في ائتلاف المخاطر السيادية والمؤسسية معاً. شُغل الدائنين الدوليين على حصتهم من الدين السيادي واليوروبوندز بواقع 11 في المئة، أن يلاحقوا بقلق استيفاء ديونهم. الدائنون الوطنيون من المصارف والمودعين باتت أعناقهم في قيد الدولة الفاشلة المصرة على الانهيار المؤسسي والمالي في نهج غريب عجيب لا يؤته متآمرون على البلاد والعباد. في مقدمهم قطعاً وبالقانون الشرعي والوضعي، من يعرقلون تأليف حكومة نحسبها خليقة بإنقاذ وطن، وبكرامة مواطن.

 

 

 

 

 

 

 

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"