سعد كيوان

2019 Jan 11




 

يتهافت بعض العرب هذه الأيام على اعادة تعويم نظام بشار الأسد قاتل شعبه بالبراميل المتفجرة. هؤلاء العرب أنفسهم الذين وصفهم الأسد ب"أشباه الرجال" في صيف 2006 يمهدون للتطبيع مع النظام تحت ذرائع وحجج متعددة، أولها انتشال الأسد من تحت الوصاية الايرانية واعادته الى الحضن العربي. وثانيها الحفاظ على وحدة الدولة السورية من التقسيم او التفكك بفعل نفوذ وأطماع الجيوش والميليشيات المتعددة التي تحتل اليوم أراضيها، وفي مقدمها جيش العثماني الجديد اردوغان الذي يطمح الى استعادة دور السلطلنة التوسعي بدءا من شمال سوريا. أما في لبنان فيراهن مروجي العودة الى زمن الوصاية السورية وضرروة دعوة الأسد الى القمة العربية الاقتصادية التي ستعقد في بيروت نهاية الاسبوع القادم على سراب اعادة الاعمار في سوريا...

 وهكذا، "يكتشف" العرب فجأة ان سوريا عربية ويجب ان تبقى عربية، وكأن النفوذ الايراني أمر استجد في السنوات الأخيرة ولا تعود جذوره الى نحو أربعين سنة، عندما شبك حافظ الأسد عام 1980 خيوط العلاقة مع نظام ثورة الملالي وانحاز الى جانب الخميني الفارسي في حربه ضد رئيس العراق العربي ورفيقه في "حزب البعث" صدام حسين، هذا الحزب القومي الذي كان يدعو للوحدة العربية ويسيطر على الحكم في أهم بلدين عربيين. كما ان هذه العلاقة هي التي مكنت ايران من مد نفوذها الى لبنان وتعزيزه عبر ذراعها المسلح "حزب الله" لقطع الطريق على مقاومة وطنية لبنانية عربية ضد الاحتلال الاسرائيلي لا تخضع لأوامر حافظ الاسد وللديماغوجيا القومية، والتي يصعب صرفها على طاولة المفاوضات!

واستمر التغلغل الايراني مع الأسد الأبن رغم انسحاب اسرائيل من لبنان في 25 مايو/ايار 2000 قبل وراثته الحكم بعد وفاة أبيه. يومها عرفنا ان الحزب القومي العروبي التقدمي العقائدي يقوم بتوريث السلطة أيضا مثل أنظمة الحكم الملكية العربية. وعلى مدى عشر سنوات استمر التغلغل الايراني وتوسع في سوريا ولبنان ثم امتد لاحقا الى العراق واليمن. ان ما كان يجري بالتالي هو "ايرنة" عدد من البلدان العربية وليس العكس. وكان ذلك يجري بملء ارادة النظم السوري الذي كان يطمح الى لعب دور الوسيط بين الدول العربية وايران والمبتز لهم في الوقت عينه، ولعب دور الوسيط ايضا بين ايران من جهة واميركا والغرب من جهة أخرى. في الثمانينيات كان شعار "مكافحة الارهاب" هو الورقة الرابحة لحافظ الأسد، فكان يقوم بدور الوسيط لتحرير الرهائن الغربيين في بيروت بعد ان يكون جيشه قد غطى اختطافهم من قبل منظمات "اسلامية جهادية" متطرفة كانت ايران قد بدأت بتفريخها وتسليحها وتمويلها. وكان يبتز الدول الاوروبية والخليجية بحجة حماية مصالحهم مقابل الحصول على دعمهم السياسي والمالي. أما بشار فقد تحول مع الوقت الى أداة للملالي ول"حزب الله" الذي تحول الى دويلة داخل الدولة اللبنانية منذ ما بعد اغتيال رفيق الحريري في 2005، ومن ثم ذهب للقتال في سوريا من اجل انقاذ نظامه من السقوط بعد اندلاع الثورة في 2011. وهو اليوم مع طهران ولي نعمته. وهذا رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، حليف طهران اليوم، كان يتهم بشار بالوقوف وراء التفجيرات الانتحارية في بغداد بن عامي 2009 و2010. بشار هو بالتالي مدين اليوم ببقائه في السلطة لايران ولروسيا، لا بل تحول الى دمية يتجاذبها الطرفان اللذان يتنازعان مصير سوريا. فكيف يمكن "تعريبه" وابعاده عن ايران؟

يسوق بعض العرب تنظيرات من نوع ان الخطر الأساس المطلوب تفاديه هو تقسيم سوريا الذي في حال حصوله سيشكل تهديدا لسلطة الأسد ويقلص رقعة نفوذه وانتفاء دوره ما يمهد لسقوطه. فهو لذلك له مصلحة ببقاء سوريا موحدة وبقاءه بالتالي يصبح شرطا من شروط هذه الوحدة. ومن قال ان الخيار هو اما وحدة سوريا او رحيل الاسد؟ واستطرادا هل ان وحدة سوريا أهم من حرية الشعب السوري؟ ثم ألم ينتفض الشعب السوري من اجل حريته وليحرر بلده سوريا من نظام استبدادي يجثم على صدره منذ نحو خمسين سنة؟ ام ان النظام اي نظام اهم من حرية الشعب، وما نفع دولة موحدة في ظل حاكم يقتل شعبه بالبراميل المتفجرة ويقصفه بالدبابات ويشرد الملايين ويزج ويبيد الآلاف منه في السجون؟ ايضا ومن منطلق الوحدة التي يتغنى بها معظم العرب كمجرد شعار براق فان بعضهم يسوق لنظرية ان وحدة الأراضي السورية هي ضمانة للحفاظ على وحدة وأمن الدول المجاورة تحديدا، علما ان هذه الدول هي اليوم واقعة تحت النفوذ الايراني باستثناء الاردن. فمن الذي يهدد وحدتها؟ وهل ان الوحدة او العروبة تعني مجرد حدود جغرافية؟

اما النظرية الأخرى التي يتم الترويج لها فهي ان سقوط الأسد يمهد الطريق امام انتشار التنظيمات الارهابية المتطرفة ووقوع سوريا تحت سيطرتها، وكأن المقصود القول ان بقاء الأسد يشكل ضمانة لمنع عودة هذه الجماعات الى السطح. غير ان المروجين لهذه النظرية يعلمون علم اليقين ان تنظيم "داعش" على سبيل المثال هو في الأساس من صنع النظام السوري نفسه، وان معظم قياداته الأساسية تم اطلاقها من السجون السورية. وبدأ ممارسة ارهابه ومجازره عام 2013 يمينا وشمالا، وتحديدا ضد المعارضة السورية وليس ضد النظام. ثم تمدد لاحقا الى العراق وانضمت اليه بعض قيادات وعناصر من بقايا "البعث" العراقي. وفيما بعد تحول "داعش" الى وحش غذاه جميع المتورطين في الحرب السورية وحاول كل طرف استخدامه لمصلحته. ناهيك عن ان الأسد هو من بدأ ممارسة الارهاب ضد شعبه حتى قبل ظهور "داعش" و"النصرة" وغيرها من الجماعات المسلحة... فهل ان المقصود اذا من اعادة تعويم النظام السوري والتلحف بغطاء العروبة هو الدفاع عن أنظمة الحكم القائمة كل من موقعه ودوره!

ولكن كيف يمكن لدول وحكومات عربية قاطعت منذ نحو ثماني سنوات النظام السوري وجمدت عضويته في الجامعة العربية بسبب قتله لشعبه ورفضه اي وساطة عرببة او دولية، واستمراره طيلة هذه السنوات بممارسة القتل والارهاب ضد شعبه وتشريده في اصقاع الارض، ان تقرر فجأة اعادة الاعتبار له وتعيد علاقاتها معه وتستقبله بين صفوفها من دون ان يتراجع قيد انملة عن سياسته وممارساته، ويرفض القرارات الدولية وقرارات مجلس الأمن والحل السياسي الذي يقوم بحسب القرار 2254 على أساس انتقال تدريجي للسلطة؟ لا بل ان ما يقوم به هو بالظبط ما يريده حماته وأسياده الايرانيون والروس، وكذلك اسرائيل. ويبدو لافتا في هذا المجال ما جاء امس في افتتاحية رئيس تحرير جريدة "تشرين" الحكومية: "هل نحن اعداء اسرائيل؟ نعم ولا. نعم لاننا قضينا سنوات عديدة ونحن نقول اننا أعداء اسرائيل، كما انها لا تزال تحتل ارضنا. ولا لأن أمورا كثيرة تجمعنا بهذه الدولة الجارة اهمها مكافحة الارهاب، وهي قد تتطوع لتحسين علاقاتنا مع الولايات المتحدة التي لا تزال تقيم في بلدنا، وعلينا ان نتعامل معها بما أمكن من ايجابية وتفهم. ومن يدري فاسرائيل قد تنسحب ذات يوم من الجولان وتعيده الينا"؟!

 

     

آخر المقالات


إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"

شكراً لمركز الشمال للتوحد

عصام عازوري

"مركز الشمال للتوحد" يرد و...شكر على التوضيح

يوم التوحد والغرفة المغلقة

عصام عازوري

عن الغرفة الخاصة بالأطفال المصابين بالتوحد في مطار بيروت الدولي