عصام الجردي

2019 Jan 16




لا نعوّل نتائج باهرة على القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية. العمل الاقتصادي العربي المشترك مضروب في الصميم. ومسقوف بخلافات سياسية عربية لا تدع مجالاً لتنفيذ الكثير من المشاريع العربية التنموية سبق وأقرتها القمم الاقتصادية العربية الثلاث في الكويت، والرياض وشرم الشيخ. وهي مشاريع بالغة الأهمية على مستوى الربط الكهربائي العربي والنقل البري والطاقة النظيفة وأسواق العمل والأمن الغذائي العربي وخلافها.

لا نعرف من سيتبرع من الدول العربية المشاركة في قمة بيروت، لاستضافة القمة الاقتصادية المقبلة. من سوء طالع لبنان الذي طلب استضافة القمة وكان له ما أراد، أن تتحول المناسبة تصفية حسابات جيوسياسية في المنطقة بين الولايات المتحدة وبين "الحلف الممانع" ايران وسوريا. ولبنان يمر في أخطر أزمة مالية واقتصادية واجتماعية، وعاجز عن تأليف حكومة منذ ثمانية شهور. حجم الضغط الذي خضع له لبنان من الحلف وأعوانه، وأساليب الضغط التي استُخدمت، إنما تؤدي الى قراءة واحدة من الآخر. منع عقد قمة عربية في لبنان. وأن لبنان الرسمي العضو في جامعة الدول العربية ليس حراً في اتخاذ قراراته السيادية في معزل عن "الحلف الممانع" إياه. الكلام قيل جهارة أكثر من مرة في طهران عن سيطرتها على قرارات دول في المنطقة بما فيها لبنان. فبعد هيمنة الحلف على السياسة اللبنانية الداخلية، ومنع تأليف حكومة بعد انتخابات نيابية، ها هو يقول اليوم أن سياسة لبنان الخارجية ترسم في طهران أيضاً. بوابة لبنان العربية تمر في دمشق النظام، وتصل بالجغرافيا السياسية الى ايران. أما كيف سيتمكن لبنان من مواجهة مخاطر الانهيار المالي والاقتصادي، وقد دخلنا في صلبه، فهذا ليس من شأن "الحلف الممانع" ولا يد له فيه!

وجه الغرابة، الحجج الباطلة التي استخدمها الحلف المذكور. "دعوة النظام السوري الى القمة. واشتراك لبنان في اعادة اعمار سوريا". ويعلم المعنيون جيداً أن الجامعة العربية هي التي تقرر في هذا المجال. وأن عضوية سوريا في جامعة الدول العربية مجمدة بقرار وزراء الخاجية العرب منذ 2011. كانت هذه الحجّة تهدف الى تبهيت دور رئيس جمهورية لبنان، ورسالة مباشرة الى الدول العربية مفادها إن عصراً انتهى ونحن في عصر آخر. أما المشاركة في اعمار سوريا فبدعة ومسخرة. إذ ليس في جدول أعمال القمة أساساً اعمار سوريا. وحين ستتبنى قمة عربية هذا الشأن تكون الأزمة في سوريا قد وصلت خواتيمها. اعادة اعمار سوريا قرار سياسي دولي أولاً وعربي، تحصيل حاصل، بعد بلوغ تلك المرحلة. إلاّ اذا اعتقد "الحلف الممانع" أن دول الخليج العربي جاهزة لتمويل مشاريع اعادة الاعمار ليقتطف لبنان وقطاعه الخاص حصة منها. فيكتمل حُمق الحجج الواهية. الطريف، أن أركان النظام السوري يرددون أوهاماً مشابهة إذ يتوعدون الدول ورجال الأعمال العرب الذين وقفوا ضد النظام في الحرب السورية بإقصائهم عن الاشتراك في مشاريع اعادة الاعمار. يبدو "الحلف الممانع" وكأنه يتلذذ بمأساة لبنان واللبنانيين. ولا يأبه لمعالم الانهيار المالي والاقتصادي. بل وينفخ في أتونها. محاولة سلخ لبنان عن محيطه العربي، إنما لفصله عن عمقه الاقتصادي والسياسي. الدفع بالأزمة الى المجهول على روزنامة صراع ايران مع الولايات المتحدة يُدخل أزمة لبنان في مدار التدويل ويفقده حقه بالقرار السيادي. وينكشف في وجه العدو الصهيوني والمطامع الاسرائيلية.

ما سمعناه في الأيام الأخيرة من الموفد الأميركي ديفيد هيل ومفاده إنه نصح المسؤولين الذين التقاهم بأن تستمر حكومة تصريف الأعمال في مسؤولياتها لاسيما على المستوى الاقتصادي، ومن "حزب الله" و"تكتل لبنان القوي"، ويوحي باستبعاد تأليف حكومة في وقت قريب، سيضعنا من جديد أمام احتمال خسارة لبنان قروض مؤتمر سيدر ومساعداته. ويشكل بدعة سياسية مخالفة للدستور. ودونها المزيد من صدع الثقة بلبنان ومؤسساته في الداخل والخارج.

تفعيل الحكومة وتجاوزها تصريف الأعمال خصوصاً في الشأنين المالي والاقتصادي، المطلوب التصدي لهما بسرعة وحزم وبخطوات اصلاحية عميقة، لن يكون أمراً ميسوراً من خارج حكومة شرعية ودستورية. لو أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون موازنة 2019، وصدر بقانون عن مجلس النواب، يعني أن الموازنة نتاج حكومة مدبِرة تنفذها حكومة مقبلة ليست مسؤولة عنها أساساً. فهل تلتزم الحكومة الجديدة المفترضة الموازنة؟ ومجلس النواب سيشرع أهم قانون أعدته حكومة لم تحظ أصلا بثقته. وسيحاسب حكومة جديدة مفترضة لم تشترك باعداد الموازنة. وربما لن تكون الحكومة المقبلة مستعدة للدفاع عن موازنة لم تعدها ولم يكن لها رأي فيها. ماذا عن الاجراءات الاصلاحية الأخرى المتصلة بالشراكة بين القطاعين العام والخاص؟ وتحتاج الى قوانين مهمة تتعلق بحيازات حقوق عامة لسنوات وعقود. وجزء منها استخصاص نهائي كلياً أو جزئياً؟ أسئلة كثيرة لا إجابات شافية عنها إلاّ بحكومة ومجلس نواب يعملان وفقاً للدستور. وتبقى موازنة 2019 المهمة العاجلة في كل الأحوال. وفيها بنود تتعلق بالضريبة والرسوم وتكليف الشركات والأفراد. وكل ذلك يحتاج دستورياً لمشارع قوانين وتشريعات من حكومة أصيلة ودائمة ومن مجلس نواب يقوم بأعمال الرقابة والمساءلة والمحاسبة. تعهدات مؤتمر سيدر ومتابعة مسارها لتمويل مشاريع البنى التحتية التي تقررت لها قروض ومساعدات، تتطلب تفعيل عمل المؤسسات الدستورية وحكومة للتنسيق وفق الآلية التي نصّت عليها قرارات سيدر. وننتظر اجراءات أخرى طارئة بعيداً من سيدر وتعهداته على علاقة بالوضعين المالي والنقدي. وقد تتطلب قرارات كبيرة وتعديل قوانين.

إنكشف لبنان أمام القمة العربية الاقتصادية كما لم يحصل من قبل. والخشية ان ينحسر دور لبنان في العمل العربي المشترك، واللجان المنبثقة عنه في ضوء ما شهدناه من ممارسات داخلية وخارجية قبيل أيام من انعقاد القمة لإضعاف لبنان، وتصويره قاصراً عن شؤونه السيادية، وبعيداً من المنظومة العربية. وبصرف النظر عن قرارات القمة وجدواها، فقد كانت فرصة للبلد المضيف كي يعمّق الالتزام العربي في تعهدات سيدر والمعونة المالية، ويطرح مأساة النازحين السوريين واعبائها الكبيرة على لبنان، ومخاطرها مستقبلاً على كل الصعد، ويتابعها في قمة تونس السياسية. الى أين بعد؟

 

 

.

 

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"