دنيز عطالله حداد

2019 Jan 17




ماذا اضاف لقاء بكركي بالامس؟ ما الجديد الذي قاله او قدّمه، في الشكل والمضمون؟ واي انطباع تركه عند الموارنة والمسيحيين واللبنانيين؟

في الشكل، جاءت الدعوة مارونية حصرا للبحث في "مخاوف حيال ما يطرح في السر والعلن عن تغيير في النظام والهوية، وعن مؤتمر تأسيسي، وعن مثالثة في الحكم تضرب صيغة العيش المشترك المسيحي-الاسلامي" على ما قال البطريرك بشارة الراعي في كلمته الافتتاحية.

كل عبارة وردت اعلاه تطال بنية لبنان ووجوده ومصير ابنائه. ومع ذلك جاءت الدعوة للموارنة حصرا! . ليس حتى لسائر المسيحيين، ولو من باب ترتيب البيت الداخلي، وتحضير منصة ومنطلق لحوار وطني.

اجتماع للموارنة حصرا. وقد أبدى كثر من النواب المسيحيين امتعاضهم من "حصرية" هذا اللقاء. منهم من جاهر داخل كتلته فطُلب منهم "التهدئة"، ومنهم كسيزار معلوف كان لديه جرأة اشهار الاعتراض "في هذه المرحلة المصيرية".

ونبقى في الشكل.

شملت الدعوة التي وجهتها بكركي"رؤساء الكتل والنواب الموارنة". وكان البطريرك الراعي نفسه قد قال منتقدا ، في ايلول الماضي، أن "51 في المئة من الشعب اللبناني لم يشارك في الانتخابات لفقدان الثقة، فتبين أن شكهم في محله". والكلام للبطريرك من دون تعليق.

وعلى هامش الشكل ايضا وايضا. هؤلاء هم النخب السياسية المارونية يحيطون بمن كتب على بابه "مجد لبنان اعطي له". هنا ايضا لا تعليق. رحم الله مسؤولين وزعماء راحلين. وفي أمثالنا الشعبية "تجوز الرحمة على الاحياء ايضا".

اذا تجاوزنا الشكل الى المضمون وجب السؤال. لمَ تمّ عقد هذا الاجتماع؟

اذا كان الاجتماع بسبب خطورة الاوضاع - وهي خطيرة فعلا- فان ما لخصه البطريرك في كلامه الافتتاحي، وما سبق وقاله في رسالة الميلاد بتفصيل ودقة متناهيتين، ارصن واعمق واكثر احاطة بدقة وخطورة الاحوال من البيان الباهت الغارق في عمومياته الذي صدر عن المجتمعين. كما ان في الكنيسة أوراق ومراجعات ووثائق يمكن التأكيد عليها والطلب من السياسيين الموارنة العمل بوحيها، ليس آخرها "شرعة العمل السياسي في ضوء تعاليم الكنيسة وخصوصية لبنان" التي كرر المجتمعون في بيانهم الالتزام بها.

ويجوز من باب "التسالي" التمني على غالبية المجتمعين تعداد ثلاث افكار وردت في هذه الشرعة.

اذا كان الاجتماع بحسب ما روّج بعضهم، جرعة دعم  للعهد الرئاسي، الذي ضاع ثلثه بانتظار "غودو الثلث الضائع"، فقد حرصت بكركي، حتى قبل اللقاء، على التوضيح انه ليس كذلك. وجاء البيان قاطعا للشك وداعيا الى "احترام الصلاحيات المنوطة بمسؤولي الدولة والتعاون المتكافىء بين السلطات الثلاث". مشددا على" رفض كل ما من شأنه المس بتوازن المؤسسات الدستورية وصلاحيات كل منها، وفي مقدمها رئاسة الجمهورية، بما هي رئاسة للدولة ورمز لوحدة الوطن". اي الدعم لكل السلطات واحترام صلاحيات كل منها.

واذا كان الاجتماع  لتقريب وجهات النظر بين الاحزاب والاقطاب المختلفين في السياسة، فيفترض أن تكون بكركي أدرى باستحالة هذا الموضوع في مثل هذه الظروف وهكذا اجتماع. كما أن "صفحات الماضي الاليم" قد طويت بين الاحزاب المسيحية، والخلاف اليوم سياسي و"سلطوي" بحت.

أما اذا كان الاجتماع لمعالجة الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعاني الناس من تداعياته السلبية فما جاء في البيان، اقل ما يقال فيه، مؤسف. فقد دعا البيان الى "التعاطي بمسؤولية بالشأنين الاقتصادي والمالي لمواجهة ما يهدد امن المواطنين الاجتماعي. والسعي المشترك الفاعل لضبط حسابات المالية العامة ووقف الهدر ومكافحة الفساد لخفض العجز في الموازنة".!

بيان يمكن ان يصدر عن بكركي وحدها من منطلقات مبدئية واخلاقية وانسانية. اما ان يصدر عنها وعن 32 نائبا مشرّعا ورؤساء كتل نيابية فالدعوة معكوسة وعليهم في الحد الادنى "التعاطي بمسؤولية " مع المسؤولية التي اوكلت اليهم.

ومع ذلك، تسجل لهذا الاجتماع  نقطتان ايجابيتان. الاولى الاصرار على اضفاء الطابع الوطني على الاجتماع، سواء في البيان او في كلمة البطريرك. والثانية حرص كل المجتمعين على الخروج بالحد الادنى من التوافق. فليس بسيطا ان يلتقي هذا الحشد من الموارنة ويتفقوا... ولو على بيان عام. والجميع خرج راضيا بما حقق لدرجة أن كثرا عمموا ونشروا مضمون كلامهم في الاجتماع.

نكرر المثل اللبناني "تجوز الرحمة على الاموات والاحياء". فرحماك اللهم.

آخر المقالات


لتتخلّ المرجعيات عن امتيازاتها

عصام الجردي

المؤسسات الأكثر فساداً هي المقصية عن رقابة هيئات التفتيش والمحاسبة، بدعم مباشر من مرجعيتها السياسية

ما قاله بيفاني وما لم يقُله

عصام الجردي

الحسابات المالية العامة والعجز والدين قضية سياسية، لكنها أولاً وأخيراً قضائية تتعلق بجرائم مالية وادارية

لتُكشف حسابات المالية العامة

عصام الجردي

أسوأ الفساد بعد تجاوز الدستور والقوانين ، إقحام الفساد في تصفية الحسابات السياسية