عصام الجردي

2019 Jan 23




بدخول لبنان الى C درجة تصنيف ديونه السيادية، نكون قد ولجنا فعلاً مرحلة الجدارة الإئتمانية السيئة جداً. التدحرج الى أسفل الدرجة ومندرجاتها، يعني بتصنيف وكالة موديز التوقف عن سداد الديون أصلاً وفائدة. درجة D تعني "العوض بسلامتكم"، ومرحلة الافلاس التي تتيح للدائنين مقاضاة الدولة.Caa1 درجة التصنيف الأخيرة هي مفتاح هذه الهوّة. وشروط الخروج من الهوّة ميسورة ومتاحة. أن يتحمل حكّام البلد مسؤولياتهم بشرف وأمانة ووطنية، ويحتكموا الى الدستور والمؤسسات. ويشرعوا على الفور في تأليف حكومة قادرة على العمل والإنجاز لتغيير المسار الانحداري الى قعر الهوّة. وأن يثبت مجلس النواب مرة واحدة، إنه خليق بوظيفته في مراقبة أعمال الحكومة والسلطة الاجرائية بالكامل. وفي المساءلة وطرح الثقة. ورفع الحصانة والإحالة الى القضاء لدى أي تجاوز على الدستور والقوانين.

كيف؟ من أقسم يمين الحفاظ على الوطن من رأس الدولة الى كل الأسلاك المدنية والقضائية والعسكرية التزام القسم. أن تتوقف عملية استحصاص الوزارات والمؤسسات والمشاريع والمال العام. وتتعهد الحكومة في بيان وزاري خلال أيام بعد تأليفها إعداد مشروع قانون موازنة جديدن فيه خفض أقله 2 في المئة الى الناتج المحلي في السنة الأولى. كيف، ورواتب القطاع العام وتعويضات التقاعد وفوائد الدين العام توازي نحو 75 في المئة من نفقات الموازنة؟ الأمر متاح أيضاً. تُشطب كل النفقات المشبوهة القابلة للسرقة وزوبنة خدمات للمواطن. وتُلغى كل المجالس والصناديق المشبوهة والمساعدات، خلا تلك المخصصة لذوي الحاجات الخاصة، وبرنامج دعم الأسر الأشد فقراً. وعلى الحكومة ومجلس النواب اعادة النظر بمعايير المساعدات ولو اقتضى الأمر قوانين جديدة. تعديل القوانين بفرض رقابة مسبقة على مشاريع مجلس الانماء والاعمار، واخضاعها لمناقصة عامة في ادارة المناقصات. والغاء القوانين التي تتيح للوزير ولمجلس الوزراء رفض المناقصات العابرة ادارة المناقصات. وتعديل القوانين التي تكبل عمل ديوان المحاسبة، وتفعيله مرجعاً نهائياً في كل ما يعود الى حسابات النفقات العمومية. واقتفاء أحكام الدستور والقوانين بحذافيرها في كل ما يتصل بعمل التفتيش المركزي ومديرياته، وبالمجالس التأديبية. لن نقرَب السخرية الرائجة للقول برفع يد السلطات السياسية عن القضاء. والقضاء والقضاة مستقلًون عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. الدستور حصنهم الحصين. والقوانين سوارهم والاطار. وليس لقاضٍ أن يقيم وزناً للتدخلات السياسية. وإذ يفعل، إنما يستدعي هو السياسة الى محراب العدالة، ويعطّل الدستور والقوانين ويبخس حقه بالحصانة. ولا يريد المواطن أن يسمع بعد، أن القضاة في رأس الهرم أو ما دونه، الذين تعينهم السلطات السياسية كلياً أو جزئياً، هم بالضروة خاضعون لمشيئتها ونزواتها وسلطانها.

في معرض خفض النفقات والعجز والدين أيضاً، لا نطلب في لحظة التدحرج الى الهوّة قانوناً جديداً او قوانين للضرائب. فهذا شأن عميق بحجم أوليغارشيا النظام. ولو كان لا بدّ منه بعد الخروج من تصنيف C ومندرجاتها. بل نشدّد على جباية الضرائب بتكليفها القائم. وملاحقة المتهربين خلافاً للقوانين. القصور الضريبي وفقاً لتقديرات محلية ودولية أكثر من 4 مليارات دولار اميركي سنوياً حداً أدنى. ها نحن غطينا نحو نصف العجز. هل يُعقل أن يكون المتجاوزون على الضريبة خارج المساءلة والمحاسبة؟ والى متى عار الكهرباء مقيم. وقد باتت حصته وحده نحو 40 في المئة من الدين العام. هناك تقرير موثق بهذا المعنى في رئاسة الجمهورية. وعجب العجاب، أن واحداً لم يحاسب في هذا الملف. وبقي "الديك الفصيح في وزارة الطاقة والمياه يصيح من مزرعة الدواجن"، التي اكتشفت في مؤسسة كهرباء لبنان. أحالها الى التحقيق قال. النتائج لم تظهر بعد! تريدون موارد بعد لوقف العجز وتوازن الموازنة بل ولتحقيق فائض؟ إليكم بالجمارك، وأمبراطورية مرفأ بيروت ورسومه، وكازينو لبنان، والأملاك البحرية والبرية، والرشى، والتجاوزات على القوانين في القطاعين العام والخاص، ومخالفات البناء، واستخدام القروض العامة وأخرى مدعومة لغير أغراضها تزويراً وسوء ائتمان وتدليساً.

قد يسخر البعض ممّا عُرض. لكنه في مرمى حجر وطوع اليد، لنرسو على الشاطئ ونتلمّس اليابسة. نحن لا نحتاج الى تصنيف الجدارة الإئتمانية والسيادية. العلّة في الجدارة السياسية. وليست هذه مهمة موديز وشقيقاتها من وكالات التصنيف. ولا مهمة ماكينزي أند كومباني، ولا مؤتمرات سيدر وباريس. جدارتنا السياسية خارج التصنيف. لا توصيف لها في درجات الوكالات. نحن في حاجة الى تصنيف الجدارة الأخلاقية للنظام السياسي وسدنته. لذلك بلغنا فوّهة القعر حتى كتابة هذه السطور. استدعينا مؤتمر قمة عربية الى ظهرانينا. استنفرنا كل قوانا للدفاع عن نظام في دمشق يستحيل تجميله. وبينه وبين لبنان ما صنعته كل الموبقات والجرائم الأخلاقية والسياسية والمالية. ووصاية السيطرة، واستنبات العضاريد زعماءً يولّون السلطة. ولبنان ليس هو من جمّد عضوية سوريا في الجامعة العربية. هؤلاء أنفسهم يمنعون تأليف حكومة. وعدم تأليف الحكومة كان أهم ركن استند اليه تقرير وكالة موديز لخفض درجة تصنيف لبنان السيادية. وقد أوحى التقرير نفسه، أن التصنيف قد يتغير بعد تأليف الحكومة. مع ذلك، فــ"متعلقات" نظام دمشق لا زالت تعرقل تأليفها. بينما استنفرت جماعة "التيار الوطني الحر" للترويج لنتائج مؤتمر القمة الذي عقد "بمن حضر"، ولـ"الانتصارات التي حققها وزير خارجيتنا الموهوب. وفوجئنا إنه عقد الرجاء على "انتصاراته" في القمة و"جهوده" التي استفزّت معظم الوفود العربية تأشيرة دخول الى دمشق، في طريقه الى انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة. وهو بذلك مع "الحلف الممانع" يفتعل مشكلة سلفاً داخل حكومة لم تتألف بعد. ربما هذه هي شروط تحسين تصنيف لبنان السيادي بعد تأليفها لتفادي الهوّة. أمّا الجدارة السياسية، وقيامة لبنان، واسترداد مواطنيه شعورهم بالانتماء الى وطن، فقضية أخرى يطول شرحها. السلامة غنيمة الآن.

 

 

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"