عصام الجردي

2019 Jan 30




بُشرى للبنانيين: ممثل "اللقاء التشاوري" في الحكومة المفترضة، سيكون من حصة رئيس الجمهورية ميشال عون. لكنه، والـ"الهاء" حرف عطف يتبع المعطوف، أي "ممثل اللقاء التشاوري" في الحكومة، ما زال "معاليه" مجهول الإسم. فتقدم حرف العطف على المعطوف. في اللغة هذا اعتداء على العربية وتزوير. لا بأس، يتكرر هذا الأمر في الصحافة المكتوبة، أو ما بقي منها. في السياسة اللبنانية البلدية وتأليف الحكومات، فإسم الوزير المعطوف يسبق الحكومة شرطاً لكينونتها واستيلادها فتصبح الحكومة حرف عطف وإسم الوزير المعطوف منعطفات: من حصة رئيس الجمهورية. يشترك في اجتماعات "تكتل لبنان القوي". ويصوّت بخيار "اللقاء التشاوري"! لكن أين "العاطف" وفي يده "حق العصمة" بتأليف حكومة، أو ترك البلاد بلا حكومة، أو فرطها والطلاق بالثلاثة. "حزب الله" ممثلاً بحسين خليل، ورئيس "تكتل لبنان القوي" في الوطن المنكوب جبران باسيل نفسه. اجتمعا. طلب خليل فوافق باسيل. وقيل إن ولادة الحكومة الجديدة مسألة ساعات. أمّا الوزير المحروس المعطوف، فـ"غُصن بانٍ كلما عاتبته عطفته رقةٌ فانعطف(ا) على ما نظم شوقي وأنشد عبد الوهاب!

لماذا الخلاف على هذا الوزير الذي استُنبت في اللحظة الأخيرة وحُلّت قضيته لدى مرجعها؟ الثلث المعطّل! معطّل ماذا؟ كل البلد معطّل وعاطل من العمل. ثم هل يحتاج رئيس الجمهورية حارس الدستور ورمزه، وزيراً زائداً أو ناقصاً، وله أكبر عدد من الوزراء وأكثرية في مجلس النواب؟ استدراكاً، يحصل كل ذلك، والتصويت على القضايا الكبيرة والاجرائية الأقل أهمية ممنوع في مجلس الوزراء. ويمارس هذا المبدأ على حساب الديموقراطية وتفعيل عمل مجلس الوزراء والسلطة التنفيذية، ويعطّل الكثير من المشاريع الحيوية ومصالح الناس. فطالما آلية الديموقراطية معطّلة، فلماذا كان الإصرار على تعطيل تأليف الحكومة شهراً تاسعاً؟

سنصدّق إنكم في الطريق الى تأليف حكومة. وسنبتلي بحسن الظن اذا تألفت، لنقول إن لبنان صار له حكومة مثل كل دول الكوكب. لكن إيّاكم أن تكرروا مقولة بيان وزاري مطوّل وفضفاض، لا ينفذ منه إلاّ ما يناسبكم ولا يناسب البلد. لا يحتاج البيان الى راسخين في العلم. أولاً، عاد الكلام عن الستراتيجيا الدفاعية. اسرائيل تهديد للبنان وشعبه ودولته، ولكل المنطقة العربية. دولة لبنان تقاوم وتدرأ العدوان مع كل الشعب اللبناني. والعلَم اللبناني هو علَم الستراتيجا الدفاعية، بلا تدوير ولا تجيير. ثانياً، تعهدٌ بالخروج من مسار الانهيار المالي والاجتماعي، ومعالم انهيارات أخرى تابعة. الفساد والإهدار. الكهرباء والبيئة والنفايات. رقابة التفتيش المركزي الكلية المالية والادارية والتربوية والصحية والمناقصات والأشغال. وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية. القوانين والمراسيم التطبيقية المتصلة بحق الوصول الى المعلومة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. القضاء سلطة مستقلة بالدستور. فليقم بواجبه بجرأة بلا استدعاء أي سلطة أخرى. الضريبة والجمارك وبوابات التهريب الشرعية وغيرها. تصنيف وظيفي للقطاع العام، وسد الشواغر ووقف التعاقد. وليتفضل مجلس النواب للقيام بدور الرقابة والمساءلة ورفع الحصانة. وبملاحقة القوانين الصادرة عنه التائهة  في قبو مصالح النواب والوزراء وزعماء الكتل النيابية. الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مالياً وادارياً يجب لحظه في البيان الوزاري بنداً مستقلاً. وكل ذلك جزء من الاصلاح المالي والاقتصادي، للمباشرة في تنفيذ تعهدات مؤتمر سيدر ومشاريع البنية التحتية.

كل مطارح الإنفاق المشبوهة التي ترهق الموازنة، وتركب عجزاً وديناً ومخاطر، تدار بعقلية الدكّان. الكهرباء، وتورم القطاع العام وفوائد الدين، تلتهم إيرادات الموازنة. والمردود سالب وبلا قيمة مضافة تذكر على القطاعين العام والخاص. إنتاجية القطاع العام لا تختلف كثيراً عن خدمة الكهرباء. الإنفاق الاجمالي على الكهرباء من مؤسسة كهرباء لبنان، و"مولدات لبنان القوي" نحو 4.2 مليارات دولار اميركي سنوياً. وإنتاجية القطاع العام قاصرة عن خدمات موفورة وجيدة. ولا تحفّز الادارة العامة الموظفين الأكفياء والنزهاء الموجودين على بذل المزيد. وربما العكس صحيح. نحن أمام معادلة قلّ نظيرها. الأثقل عبئاً مالياً، والأمسُ حاجة لا مردود له والأسوأ خدمة. هل كل ذلك بالصدفة المحض وقلّة التدبير؟ كلا. هي الثقافة السياسية المتأصلة القائمة على التنفع من المال العام، وإنفاقه فساداً لا حدود له لشراء الولاء السياسي الزبائني. الصراع على استحصاص الدولة ووزاراتها ومؤسساتها واداراتها كماً ونوعاً، على خلفية مخصصات تلك الوزارات والادارات المالية، واستئخار تشكيل الحكومات، إنما مرده لما سبق ذكره. لا توجد وزارة أو ادارة في كل بلدان العالم، بلا ضرورة وخدمة نوعية. "حقائب وزارات الدولة" لا حاجة لها سوى لحشد أكثرية لهذا الفريق أو لذاك. ويسأل سائل، لماذا استفاقت كتلة "لبنان القوي" في اللحظة الأخيرة على وزارة البيئة؟ وهي مع تيار الكتلة ويفترض إنها عبءٌ عليه بعد فشل وزير البيئة في ملف النفايات، الذي غدا القضية الأخطر التي تواجه لبنان منذ سنوات صحياً وبيئياً واجتماعياً واقتصادياً.

نحو 270  ألف موظف في القطاع العام أسلاكاً مدنية وعسكرية. فائض لا عمل له. وشواغر هائلة. وامتحانات مجلس الخدمة المدنية لا يؤخذ بها. أي أن الأكفياء لا عمل لهم. وقرار الحكومة وقف التوظيف في القطاع العام بلا طائل. بعد إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب، تم إدخال 5 آلاف. وراحوا يتحدثون عن أعباء سلسلة الرتب والرواتب التي ارتفعت نحو 800 مليار ليرة عن تقديرات 2017 حين أقرّ القانون الذي لم يطبق ناجزاً بعد. همسٌ كبير الآن بين أركان السلطة حيال حجم رواتب المتقاعدين من الجيش والأسلاك العسكرية وتعويضاتهم. لكن لا يجرؤ واحد من هؤلاء على البوح برغبة خفضها أو المساس بها. ليس حباً بالعسكريين وتقديراً لجهودهم، بمقدار الحرص على نفوذهم ومساحة اليد السياسية الواسعة للتدخل في شؤون المؤسسات العسكرية والأمنية. وأركان السلطة السياسية يعلمون أن العبث في هذه المنطقة لا يجزي مكاسب لهم بل العكس. نعم، أنظمة التقاعد في الدولة مشتتة ومبعثرة مثل أنظمة التأمينات الصحية. وكل ذلك له تكلفة وأعباء اضافية وادارية على خزانة الدولة وعلى المستفيدين من تلك الأنظمة. ويحتمل الكثير من ممارسات الفساد وإهدار المال، لقاء خدمات أقل للمستفيدين ومن هم على عاتقهم.

هل تفعل الحكومة ومجلس النواب؟ الحلم ليس ممنوعاً. حق المواطن أن يحلم!

 

آخر المقالات


تفضّلوا!

عصام الجردي

تضيق الخيارات لجبه العجز ولتحقيق نمو مفترض وللدفاع عن سعر الصرف في وقت واحد.

طويلةٌ رحلة التوازن والنمو

عصام الجردي

المواطن ليس مستعداً لأي ضريبة ورسوم جديدة قبل جبايتها من مطارح التهرب والاحتيال الضريبي

ماذا لو قَبِل لبنان بمنظومة دفاع جوّي من إيران؟

جورج عيسى

تجارب ايران في اطلاق قمر صناعي وتقليد مقاتلة "أف-5" الأميركيّة المنتهية الصلاحية غير مشجعة