جورج عيسى

2019 Feb 12




يتطلّب قبول لبنان الحصول على منظومات دفاعيّة جوّيّة إيرانيّة عدداً هائلاً من الافتراضات الصعبة التحقق والتي تبدأ باعتراف وتسليم جميع السياسيّين اللبنانيين بالدخول رسميّاً في المحور الإيرانيّ ولا تنتهي عند قبول واشنطن بهذا الواقع وعدم فرضها عقوبات على لبنان بسبب هذا التعاون. لكنّ تخطّي جميع هذه العقبات والقبول بإمكانيّة تتالي هذه الافتراضات في عالم واقعي، لا يعني أنّ العلاقات العسكريّة بين إيران ولبنان ستكون من اختصاص هذين البلدين حصراً، تحديداً إذا وافقت بيروت وطهران على نشر أنظمة جوّيّة دفاعيّة ذات طابع استراتيجيّ على الأراضي اللبنانيّة.

إنّ نشر هذه الأنظمة، مجدّداً مع افتراض أنّها تتناسب مع البنية التحتيّة العسكريّة للبنان، يتطلّب التأكّد من عملانيّة وفاعليّة هذه الأنظمة وهو أمر يصعب التحقّق منه بشكل مستقلّ. يعود ذلك إلى عدد من الأمثلة التي قدّمتها إيران حديثاً أكان في إجرائها بعض التجارب أو في طريقة التسويق لقوّتها. ففي كانون الثاني الماضي، فشلت إيران في إطلاق قمر صناعيّ إلى الفضاء بسبب إخفاق الصاروخ بالوصول إلى السرعة المطلوبة في إحدى مراحل الإطلاق، بحسب ما قاله محمّد جواد آذري جهرومي، وزير الاتّصالات الإيرانيّ نفسه. وفي آب الماضي، أعلنت إيران أنّها تمكّنت من تصنيع أوّل "مقاتلة محلّيّة الصنع" من طراز "كوثر"، قبل أن تعترف لاحقاً بأنّ هذه المقاتلة هي نسخة معدّلة من مقاتلة "أف-5" الأميركيّة المنتهية الصلاحية والتي تمّ بناؤها أوائل سبعينات القرن الماضي.

لكن مع افتراض فاعليّة المنظومات الدفاعيّة التي تستطيع إيران تحويلها إلى لبنان، ثمّة صعوبات أخرى تعترض إمكانيّة نشر لبنان تلك المنظومات. رأى البعض أنّه كان حريّاً بإيران نقل دفاعاتها الجوّيّة إلى سوريا حيث تتعرّض مراكزها العسكريّة باستمرار للغارات الإسرائيليّة. غير أنّ تعرّض القواعد العسكريّة الإيرانيّة لهذه الغارات وعدم إمكانيّتها نشر دفاعاتها الجوّيّة في سوريا قد يكون هو نفسه دافعاً أساسيّاً وراء اقتراح أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله العمل على إقناع إيران بتسليم لبنان منظومات مشابهة.

حين نشرت روسيا منظومتها الدفاعيّة الأكثر تطوّراً في سوريا، "أس-400"، أرادت الإعلان عن عدد من الأهداف، منها بسط سيطرتها على الأجواء، لا السوريّة وحسب، بل الإقليميّة أيضاً. بغضّ النظر عن قبول روسيا بالحدود العمليّة لهذا الهدف، أي حين لم تعترض القصف الأميركيّ لقواعد عسكريّة سوريّة في نيسان 2017 و 2018، أو عندما اعترفت بتحليق طيران التحالف وشنّه غارات على داعش في شمال شرق البلاد، بقي أنّ موسكو هي التي وضعت قواعد الاشتباك بين الإيرانيّين والإسرائيليّين في سوريا. ومع الانسحاب الأميركيّ المتوقّع من البلاد في الأسابيع المقبلة، سيتعزّز الدور الروسيّ على هذا الصعيد.

عندما أسقطت إسرائيل طائرة "إيل-20" الروسيّة في أيلول الماضي، سمحت روسيا بنشر منظومة أس-300 في سوريا، لكن لم يتمّ تفعيلها مع إعادة تل أبيب قصف قواعد عسكريّة لفيلق القدس في كانون الثاني، باعتراف جيشها الذي نادراً ما يؤكّد أو ينفي شنّه غارات في سوريا. عنى هذا التطور أنّ خطوة نشر روسيا صواريخ "أس-300" في سوريا هي رمزيّة إلى حدّ بعيد وأنّ التحكّم بالأجواء السوريّة وبالتالي بقواعد الاشتباك بين الإيرانيّين والإسرائيليّين تعود إليها حصراً.

تملك إيران صواريخ "أس-300" حصلت عليها من الروس بعد فترة طويلة من التوقيع على الاتّفاق، بسبب التزام موسكو بالعقوبات التي فُرضت عليها قبل سنة 2015. وهي تملك أيضاً، بحسب ما قاله نائب قائد قاعدة "خاتم الأنبياء" الجوّيّة محمود ابراهيمي نجاد، نسخة محلّية الصنع "أكثر قوة وموثوقيّة" من "أس-300" والمعروفة باسم "باور 373". بناء على ذلك، وحتى بالحديث عن استخدام منظومات أخرى أقلّ مدى واستراتيجيّة مثل "مرصاد 1" و "كمين 2" و "صيّاد 1" وغيرها من الصواريخ القادرة على تغطية أجزاء من الأجواء السوريّة انطلاقاً من لبنان، فهي ستؤثّر حكماً على قواعد الاشتباك هناك.

من هنا، هل ستقبل روسيا بمحوّل كبير كهذا في قواعد اللعبة التي أسّستها طوال سنوات في سوريا؟ إنّ اتّفاقاً عسكريّاً دفاعيّاً بين لبنان وأيّ دولة أخرى، بما فيها إيران، يقع ضمن إطار السيادة اللبنانيّة، لكن في الجغرافيا السياسيّة، يصعب توقّع أن تقارب روسيا اتّفاقاً كهذا من المنظار المذكور وحسب. وحتى مع غضّ النظر عن هذا العامل، يبقى هنالك تساؤل آخر: هل ستقبل روسيا، وخصوصاً اليوم بعد توسيع نفوذها الإقليميّ، بأن تكون إيران الدولة الأولى غير الغربيّة التي تسلّح الجيش اللبنانيّ بعدما فشلت أو أُفشِلت هي في هذا الإطار، خلال السنوات الماضية؟

 

 

 

 

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"