عصام الجردي

2019 Feb 13




لا يحتاج النائب عندنا ليبذل الكثير من الجهد كي يظهر نفسه بطلاً بمعاييره. يكفي قليل من الرياء، والتدليس، والوقار المفتعل أمام كاميرات التلفزة ووسائل الاعلام لتحقيق غايته. يضع بندقيته على كتف حرّاس حمايته، ويختار انتقائياً أن يصوب على عيوب خصومه في السياسة وخصوم حرّاسه. ويتجاهل مطرحه وما اقترفت يداه أثناء كان وزيراً أم مسؤولاً في قطاع من قطاعات الدولة. فيظهر فارساً مظفّراً لا يُشق له غبار. وتقتضي الفروسية أن يضع الفارس بندقيته على كتفه ويصوب نحو الحقيقة ويبدأ بنفسه.

ونحن نراقب ما تيسّر من مناقشة بيان الحكومة الوزاري، رحنا نسأل أنفسنا، ما الذي يحول بين هؤلاء الخطباء المفوّهين وبين قيام النائب بدوره في رقابة الحكومات، ومساءلتها، وطرح الثقة بها أو بوزير معين على الدوام لو أخطأت، او أخطأ في هذا المكان أو ذاك؟ وفي الواقع كنا نسأل جواباً وليس سؤالاً بذاته. والقضية معروفة. النواب مطالبون برقابة ذواتهم وزملائهم في الحزب نفسه والتيار والحركة. ووزيرهم يفترض أنه مزود تعليمات مؤسسته الحزبية والسياسية. فوزير اليوم، نائب الأمس. والعكس صحيح، نائب اليوم وزير الأمس.

 إن أخطر ظواهر الحياة السياسية في النظام الناجمة عن انتفاء المعارضة السياسية في حكومات ما يسمى "الوفاق الوطني"، يكمن في ثلاثة. أما الأول، فهي القدرة على تجاوز الدستور والقوانين من دون أي ردة فعل لدى السلطات الثلاث. التشريعية والتنفيذية والقضائية. وأما الثاني، استشراء الفساد السياسي والاداري والمالي، واختلاط السلطات في "حكومات الوفاق الوطني" الممنوعة من الصرف. لا رقابة ومحاسبة ولا مساءلة. وأما الثالث، إن هذه التركيبة السياسية الهجين التي يوصّفها أصحابها ضرورة لكيان لبنان الصيغة الفريدة، لا تترك مجالاً للمعارضة سوى الشارع تستدعيه الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية. ولنا أن نسأل عمّا اذا كان النظام السياسي الطائفي الزبائني عاد قادراً على التكيف مع الأزمات، واحتوائها، والعودة اليها من جديد في كل مرة يثبت فيها بالدستور والقانون وعلم الاقتصاد والاجتماع والسياسة، وبكل القوانين الوضعية والإلهية إنه مفلس وعاجز وغير جدير ببناء دلة وصيانة كرامة شعب؟ وأن نسأل أيضاً، ما اذا كان جلباب الطائفية السياسية صالحاً لهذا النظام بعد، ليستر به مثالبه وانحطاطه الأخلاقي والوطني؟ ولنا أيضاً أن نرصد نبض الشعب وما اذا كان الجذر الطائفي ما زال مستعداً لمد هذا النظام الفاسد بأسباب القوة والاستمرار؟

عجيبٌ أمر مجلس النواب وفي جلسة مناقشة بيان وزاري لحكومة يقال إنها باقية لسنوات. لم تستوقف  قضية المواطن جورج زريق المجلس النيابي. جورج زريق لم يكن حالة عابرة. إنها تعبير عن الخلل العميق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن في لبنان. محمد البوعزيزي التونسي العاطل من العمل، راح يبيع الخضر والفاكهة تجوالاً في ولاية سيدي بو زيد. حتى اذا ركن عربته في شارع مكتظ بزبائن مفترضين أمام مركز الولاية، جاءت الشرطة وقمعته. فأحرق نفسه. وأضاء شعلة ثورة شعبية في تونس مهدت السبيل  لإطاحة الديكتاتور زين العابدين بن علي وطغمته من الأنسباء والأقربين، وأبناء العمومة، والخؤولة والبطانة. والبقية معروفة. في جلسة مناقشة البيان الوزاري لم يتعظ أحد من درس جورج زريق. هناك وسائل كثيرة أسهل من الانتحار حرقاً. لكن جورج اختار الأصعب منها، والأعمق والأشد إيلاماً. وإنما أراد بذلك حرق النفس أولاً قبل الجسد. وربما اعتقد بهذه الوسيلة إنه يطفئ احتراق ذاته الانسانية في كل يوم يمر وهو عاطل من العمل. وعاجز عن سداد قسط تعليم  طفلته. مكان الانتحار أمام مدرسة طفلته ربما شاءه جورج زريق رمزية عميقة لإعلان انتحاره جهارة وعلى الملأ، علّه يكون "المخلِصّ" عشرات آلاف الأسر من بأساء العوز والفقر والتهميش. رمزية تشبه كثيراً المكان الذي أشعل فيه البوعزيزي نفسه أمام مقر ولاية سيدي بو زيد على مرأى من العامّة.

يتراجع سلَّم القيم الانسانية في لبنان على نحو خطير في كنف نظام سياسي فاجر حرون وفظّ. تونس ليست أكثر عراقة إنسانياً وتنوعاً ثقافياً من لبنان. لكن فيها مؤسسات سياسية لم تتعطّل من العمل مرة واحدة منذ استقلالها عام 1956. وفيها مؤسسات شعبية وأهلية ومدنية تحتضن الحَراك الشعبي السياسي والثقافي، الاقتصادي والاجتماعي. الاتحاد العام التونسي للشغل أهم منظمة عمالية وشعبية واقتصادية في البلاد. وهو مستقل تماماً عن الحكومة. منظمات المرأة متقدمة جداً وقانون الأحوال الشخصية. حكومة يوسف الشاهد أدارت ظهرها لكل الأحزاب السياسية التونسية. الاتحاد التونسي للشغل أرغمها على تصحيح الأجور قبل أسبوعين. النظام السياسي عندنا وضع يده على الاتحاد العمالي العام بدعم سلطة وصاية نظام دمشق. قادة الاتحاد لا ثقة من المجتمع بهم ولا يمثلون عمال لبنان. مع ذلك لا يتورعون عن الثرثرة. لا يمكن سلطة أن تصادر الرغيف وفرصة العمل والكهرباء والخدمات، وكتاب طفلة جورج زريق وتراهن على "شعب صبور غفور رحيم"! وقد بانت في بعض محطات الحَراك الأهلي والشعبي إنها ستتحامق لتصادر الحريات وحق التعبير. هي أجبن من ذلك. ننصحها ألاّ تفعل. الأزمة المالية - الاقتصادية والاجتماعية تتطلب أكثر من تعهدات سيدر، والتسول باسم لبنان واللبنانيين وقد فقدنا أو نكاد احترام العالم ومن يمدّ لنا يد العون.

سمعت نائباً عن طرابلس، وهو اقتصادي وأدار عدد من المؤسسات الكبيرة في القطاع الخاص، يتحدث في جلسة مناقشة البيان الوزاري  ( مساء الثلاثاء ) عن ضرورة التركيز على النمو أساساً للخروج من الأزمة، وخفض العجز والدين الى الناتج المحلي. نعم، كيفما كانت الخيارات وتعددت المدارس الاقتصادية، يبقى النمو هو الفيصل. لكن مهلا، الخروج من الأزمة يحتاج اولاً الى سلطة دستور ومؤسسات وسيادة الدولة على قراراتها وأراضيها. ثانياً، الى اجتثاث الفساد واستقلال مؤسسات القضاء والرقابة والمحاسبة. والى رجال على رأسها يرفضون الوصاية السياسية، وقد خولهم الدستور استقلالاً لا يمارسه سوى قلةٍ قليلة منهم. ثالثاً، مشكلة الموازنة لا تُحل بالتقشف على حسابات من طبيعة جارية تأكل رواتب القطاع العام وتعويضاتهم مع فوائد الدين العام نحو 80 في المئة من الموازنة. ولا تترك ما يُذكر للنفقات الاستثمارية والنمو. بل بوقف السرقات وصفقات التراضي وتلزيم المشاريع من خارج ادارة المناقصات. النواب الذي تأبطوا لوائح إهدار مشبوه بالمليارات لحقوق الخزانة جديرون باستكمال عملهم في مجلس النواب ومع جماعتهم في الحكومة لتحصيل تلك المليارات. ونغفر لهم إذ لم يُسموا الفاعلين من لدنهم وحلفائهم. زيادة إيرادات الموازنة تبدأ من مطارح ذُكرت ليس على وجه الحصر. رابعاً، المواطن ليس مستعداً لأي ضريبة ورسوم جديدة قبل جبايتها من مطارح التهرب والاحتيال الضريبي. خامساً، إن العمالة السورية في لبنان التي لا علاقة لها بالنازحين ومأساتهم، باتت مفضوحة وخطيرة. وهي مسرب معاكس لمليارات الدولار الاميركي والبطالة في لبنان. رحلة التوازن المالي والنمو عصيةٌ وطويلة.

 

 

 

آخر المقالات


لتتخلّ المرجعيات عن امتيازاتها

عصام الجردي

المؤسسات الأكثر فساداً هي المقصية عن رقابة هيئات التفتيش والمحاسبة، بدعم مباشر من مرجعيتها السياسية

ما قاله بيفاني وما لم يقُله

عصام الجردي

الحسابات المالية العامة والعجز والدين قضية سياسية، لكنها أولاً وأخيراً قضائية تتعلق بجرائم مالية وادارية

لتُكشف حسابات المالية العامة

عصام الجردي

أسوأ الفساد بعد تجاوز الدستور والقوانين ، إقحام الفساد في تصفية الحسابات السياسية