عصام الجردي

2019 Feb 20




كل المعطيات والوقائع تفرض على الحكومة بعد تأليفها مهمات وقرارات طويلة الأجل مستدامة. وعامل الوقت لا يعمل من أجلنا، ولا شراؤه عاد متاحاً. الوقت أيضاً عرض وطلب. أن نضيعه متى يكون متاحاً بالتكلفة المتاحة، يعرُض عنا أوان ترتفع التكلفة ونفتقر الى المال. لكن نحتاح الى مجلس وزراء يعمل من أجلنا وليس لسوانا، حيث مرابط خيول بعض الوزراء الذين فُرض توزيرهم على لبنان واللبنانيين.

 إستعجل وزير شؤون النازحين زيارة دمشق قبل الجلسة الأولى لمجلس الوزراء. لا نعرف لماذا؟ ومن كلّفه المهمة الجليلة، ولا النتيجة التي جاء بها لو كانت ثمة نتيجة. فعل ذلك أيضاً، وزراء في الحكومة السابقة ممانعون. النظام السوري الذي لا يريد عودة النازحين من أبناء الشعب السوري الى دياره، أبلغنا أكثر من مرة عبر ناطقين باسمه في لبنان، إنه يرفض أي تنسيق سواءٌ في ما يتصل بالنازحين أو بالعلاقة مع لبنان إلاً من خلال الحكومة مباشرة. النظام السوري إما لا يعترف بصفة الوزير الزائر ويعتبره من أهل البيت، وإما أن الأخير كان موفداً رسمياً للحكومة. ان نعود من جديد الى المنوال القديم، "نسّقت مع رئيس الجمهورية، ونسّقت مع رئيس الحكومة" فمسخرة يجب أن تتوقف على الفور. العلاقة مع الدول وسوريا ونظامها في مجلس الوزراء تقرر. هذا ما يجب بتُّه في جلسة مجلس الوزراء بلا مواربة، ولا تدليس، ولا تخريب على الدستور وعلى عمل المجلس والمؤسسات.

تكلفة استئخار تأليف الحكومة بلغت بحسبة مالية بسيطة خلال شهور تسعة تسيّب خلالها كل شيء نحو 8 مليارات دولار أميركي حداً ادنى. بحسبة الفراغ المعنوي، والاداري، والسياسي، وسمعة لبنان الخارجية، وثقة المواطن بدولته، كانت باهظة وأكبر بكثير. نحصد الآن نتائجها عجزاً مالياً الى الناتج المحلي بزهاء 11 في المئة. وخفض التصنيف السيادي وتكلفته بدخولنا الى مندرجات طائفة C. وفراغ الخزانة إلاّ من مَدد كل أسبوع تنتظره ديناً من سندات الخزانة.

كل الأنظار على تعهدات سيدر ودراسة ماكينزي  أند كومباني. نعم، من الحكمة الإفادة من الإثنتين. لكن لدينا نحو 175 مليار دولار اميركي ودائع مصرفية. أكثر من 100 مليار منها في مصرف لبنان متطلبات احتياط إلزامي وتوظيفات متنوعة. والغرض حماية الليرة وسعر الصرف. ودرء فوضى عارمة غير  مسبوقة، لو أرسل مصرف لبنان مجرد إشارة الى السوق بالتخلي عن سعر تثبيت العملة. كان متاحاً بيسر أيام الفوائض النقدية اعتماد سياسة مالية صحيحة ومتوازنة، وموازنات استثمارية واجتماعية، ومسار مالي من خارج الدين العجز الفادح والدين الباذخ، يخفف من الإختلالات المالية والاقتصادية، ويتيح في وقت واحد مرونة في السياسة النقدية ومعدلات الفوائد. وصلنا الآن الى عجوز بكل المعايير. ما عاد ميزان يغذي آخر أو مصدر. إرتفعت الفوائد نحو 4 نقاط  مئوية. بينما النمو في 2018 دون 1 في المئة. كان يمكن أن تكون 2019 سنة أفضل، لولا استئخار تأليف الحكومة. كانون الثاني الماضي ينبئنا عكس ذلك والمؤشرات الجديدة سالبة عموماً. تراجع قيمة الشيكات المتقاصة في مصرف لبنان بواقع 17 في المئة عما كانت عليه الفترة نفسها 2018، و15.6 في المئة في عدد الشيكات المتقاصة، يعني إننا في مسار ركود مع بداية 2019. ووقت تتراجع فيه عائدات مرفأ بيروت في الشهر الأول من السنة بواقع 15.5 في المئة، يعني إن الفجوة المالية تتوسع أيضاً والعجز الى ازدياد.

الجمارك والاتصالات مصدران رئيسيان لتمويل الموازنة. وعلينا ألاّ نمنّي النفس بعائدات الضريبة والرسوم في اقتصاد عاثر ونمو راكد. التفاهم بين الحكومة من جهة، وبين المصارف ومصرف لبنان من جهة ثانية على تمويل حاجات الدولة في 2019، لم يُبن على توقعات ركود اقتصادي تحت 1 في المئة أو سالب. وبالتالي، فمتوجبات الفوائد على الدين التي تستنزف بعد خفض درجة التصنيف نحو 43 في المئة من الإيرادات، ورواتب العاملين في القطاع العام ومعاشات التعاقد نحو 40 في المئة، قد تفرض تعديلاً في حجم التمويل المتوقع في 2019. التوافق على تمويل حاجات الدولة في 2019، مصحوب بسيناريو التمسك بسياسة تثبيت سعر الصرف. مصرف لبنان قيّد التسليف بالليرة الى حد 25 في المئة من الودائع بالليرة. لا يريد إنعاش المضاربة على الليرة بسلاحها. رفَع الفوائد الى حدود غير استثمارية واقتصادية على الليرة والدولار الأميركي أيضاً. ولئن كانت هذه الاجراءات لدعم الليرة بقرار سياسي واضح منجاة من "الأعظم"، لكنها كمن يجترع الداء للاقتصاد والدواء لليرة. وكلاهما الاقتصاد والليرة، لا يعملان منفصلين. بل في علاقة جدلية وترابط. والسياق المعمول به حالياً، إنما يعبّر عن ضيق الخيارات التي بقيت لجبه العجز والدين، ولتحقيق نمو مفترض وللدفاع عن سعر الصرف في وقت واحد.

لذلك، فالظرف ليس مواتياً بعد للعبث داخل الحكومة، ولاتخاذ مواقف إلاّ لانقاذ لبنان واقتصاده من هذه المحنة. الأزمات تحتاج الى حلول طويلة الأجل ومستدامة، لأن الأزمات ذاتها من طبيعة مستدامة في كل مرافق الحياة والخدمات، وليست موقتة. التحدي الأكبر قبل تعهدات مؤتمر سيدر، هو كيفية توظيف المدخرات الوطنية والودائع المصرفية في الاقتصاد. فالمال موجود والثروات مكدّسة. الارادات خفيضة والسياسات مفقودة. والحفر في بئر الأزمات بلغ حدُّه. مؤتمر سيدر يقول لنا غير المال. "حسنوا سلوككم. أوقفوا إهدار المال والفساد. نظفوا الادارة. واخرجوا من العتمة الكهربائية الى النور. ومن النفايات والأوبئة تذرّ بين المنازل وتحت الشرفات وعلى مساحات خضراء جميلة، كنا لنستبقيها ثروة أهم بكثير من النفط والغاز يوم تصبح البيئة والغصن الأخضر ملاذاً للبشر والحيوات. ترى ماذا اكتشف سيدر إلاً قصورنا وفسادنا، وانتهاكنا الدستور والقوانين والمؤسسات؟ وفي دراسة ماكينزي أند كومباني جاء وزير الاقتصاد السابق ليلزمنا إياها رؤية اقتصادية وخطة. وقد قلنا تكراراً، إنها لا هذه ولا تلك ولا تينك معاً. الرؤية الاقتصادية تناقش في مجلس الوزراء ومجلس النواب. وتوضع في تصرف المجتمع لتبنيها وحشد الدعم لها. وحسناً فعل وزير الاقتصاد الجديد منصور بطيش إذ قال أن الدراسة ليست رؤية ولا خطة. ماكينزي درست وسيدر مولّت. تفضّلوا!

 

 

 

 

 

 

آخر المقالات


إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"

شكراً لمركز الشمال للتوحد

عصام عازوري

"مركز الشمال للتوحد" يرد و...شكر على التوضيح

يوم التوحد والغرفة المغلقة

عصام عازوري

عن الغرفة الخاصة بالأطفال المصابين بالتوحد في مطار بيروت الدولي