سميح صعب

2019 Feb 23




قالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بصراحة متناهية: إن روسيا سترد على المكان الذي يصدر منه الأمر باطلاق الصواريخ على بلاده حتى لو كان في الولايات المتحدة. لم يكتفِ "القيصر" بهذا القدر من رفع منسوب التحدي أمام أميركا، بل بدا وكأنه كمن يتحسب لما  يمكن أن يستجد من ردود أميركية على تهديداته، فزاد في التصعيد الكلامي إلى حد الإعلان، ومن دون أن تخونه الجدية: إن روسيا مستعدة لأزمة صواريخ كوبية أخرى، في إشارة إلى أزمة الصواريخ التي نشبت عام ١٩٦٢ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق وكادت تتسبب بمواجهة مباشرة بين الجانبين وتخللها استنفار نووي.  

هنا، لم يعد السؤال هل تجددت الحرب الباردة، انما السؤال، أو بالأحرى جملة التساؤلات التي تقفز إلى الذهن، تدور كلها حول الأشكال الجديدة التي ستتخذها الحرب الباردة المقبلة. وهي حرب بدأت بالفعل يوم قرر بوتين، أن يعيد لروسيا المكانة الدولية التي فقدتها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام ١٩٩١. وللتذكير، بوتين هو القائل ان تفكك الاتحاد كان أكبر خطأ جيوسياسي في القرن العشرين. ولم يكن بوتين منذ وصوله الى موقع القرار في الكرملين في العشرية الأولى من القرن الحالي، يبحث سوى عن التوقيت الذي يعلن فيه استفاقة روسيا من غيبوبتها الجيوسياسية.    

لا ريب أن ثمة عوامل كثيرة طرأت على الساحة الدولية، ساعدت بوتين في مسعاه. من هذه الأسباب، تورط أميركا في أطول حربين في تاريخها، في العراق وأفغانستان، والفورة التي شهدتها أسعار النفط، التي وفرت لروسيا ما يكفي من الموارد كي تعمر ترسانة واسعة من الأسلحة (ظهرت فاعليتها في جورجيا عام ٢٠٠٨ وسوريا عام ٢٠١٥ وفي شبه جزيرة القرم وأوكرانيا عام ٢٠١٤) . كما أن تمادي حلف شمال الأطلسي في التوسع شرقاً نحو الحدود الروسية مبتلعاً البقية الباقية من دول أوروبا الشرقية والوسطى وجمهوريات البلطيق، كان من بين الأسباب التي وفرت لبوتين الحافز الإيديولوجي لإقناع الروس بصوابية خياره في بناء البلاد عسكرياً ولو حساب رفاههم الاقتصادي.  

في الواقع، لم تكن أميركا مكتوفة الايدي أمام تعاظم القوة الروسية، لا بل أن العقيدة الاستراتيجية للبنتاغون في آخر نسخة منها تعتبر أن روسيا هي العدو الرئيسي للولايات المتحدة وليس التنظيمات الجهادية، من "القاعدة" و"داعش".  والدفعات المتتالية من العقوبات الأميركية على روسيا  اقتصاديا، هي مظهر  واضح من مظاهر المحاولات التي تلجأ إليها الولايات المتحدة لممارسة أقصى ضغط اقتصادي، كي يزعزع قبضة بوتين على السلطة ويخلق "ثورة ملونة" في الداخل الروسي، على غرار أوكرانيا وجورجيا. لكن بوادر تبلور معارضة روسية يعتد بها لا تزال بعيدة عن الواقع.

هذا يشير إلى أن العالم يعود إلى معادلات الصراع التي كانت سائدة قبل ربع قرنٍ من الزمن. ويملك هذا الاعتقاد الكثير من مقومات الصواب إذا ما أضفنا الصين إلى قائمة التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة. ومن باب التذكير أيضاً أن جزءاً كبيراً من الترسانة العسكرية الأميركية ينتشر اليوم في بحر الصين الجنوبي، لمواجهة محاولات بكين وضع يدها على مجموعة من الجزر الغنية بالنفط، والمتنازع عليها مع اليابان. وليس محض صدفة أن تبدأ طوكيو إعادة النظر في عقيدتها العسكرية، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى، على وقع الخوف من التنين الصيني، الذي ينمو بسرعة لافتة اقتصادياً وعسكرياً متلفحاً بعباءة حلف استراتيجي مع روسيا.

قوة الصين مقلقة، تماماً كما هي عودة روسيا. ليس عبثا ولا ضرباً من ضروب الحماقة أن يحاول دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق ما مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ-أون. إنه يحاول في هذا، إنتزاع مخلب من مخالب التنين الصيني. والرئيس الصيني شي جينبينغ يدرك ذلك، فيتودد إلى بوتين ويعمق تحالفه معه، من دون أن يقطع نهائياً مع الولايات المتحدة. لكن الحرب التجارية التي أعلنها ترامب على الصين خير دليل على مدى الاستياء الأميركي من الصين وسياسات "رئيسها الأبدي".  

لم يعد ضرباً من المبالغة القول أن الحرب الباردة تدور رحاها على أكثر من جبهة، من سوريا إلى أوكرانيا وفنزويلا وبحر الصين الجنوبي وكوريا الشمالية. وما تعليق أميركا وروسيا لمعاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى والبدء في سباق تسلح جديد، سوى تجلٍ واحد من تجليات الصراع الدولي الأكبر بين أميركا من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى. والصراع الى الآن، يتخطى سوريا إلى صراع على كامل الشرق الأوسط، وكذلك يصح الأمر على أوكرانيا، إنه صراع على أوروبا، وكذا يمكن القول عن فنزويلا، إنه صراع على أميركا اللاتينية والجنوبية و البرازيل في عمق الصورة.  

يبدو المشهد وكأن العالم كله متوقف على من يضغط على الزناد أولاً أو يطلق الصاروخ الأول.

 

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"