عصام الجردي

2019 Feb 27




إفرحوا أيها اللبنانيون! فُتحت بوابة مغارة الفساد. مفردة "فُتح" نائب فاعل في إعراب اللغة تقديره هو، هي، هم وهنّ. والجملة البسيطة: أكل الولد التفاحة. أُهدر المال العام ( أو سُرق لا فرق ) أيضاً نائب فاعل. المفعول به خزانة الدولة. دائماً كان هادر المال العام وسارقه نائب فاعل، والخزانة والمواطن مفعولاً بهما ومنتهكين. بعد عقود من "دعه يعمل، دعه يمر" في الحياة السياسية اللبنانية، فتح "حزب الله" ملف الفساد. تنكّب المهمة النائب حسن فضل الله. واجبه كنائب يفرض عليه الأمر محموداً. لكنه ما زال عند نائب الفاعل لعلة "عدم استباق القضاء" كي يقول كلمته. هكذا صرّح لوسائل الاعلام.

مع الإصرار والتوكيد على أن انتهاك الدستور والقوانين هو أسوأ أنواع الفساد طُراً، فقد وقع فضل الله في المحظور. ومعه آخرون. لوّح في مجلس النواب بمستندات رسمية قال إنها تجرّم مرتكبيها. ويفترض أن تكون في حوزة وزير المال علي حسن خليل ليحيلها الى مجلس الوزراء اولاً فتناقش، وتُحال الى مجلس النواب ليبنى على الشيء مقتضاه بموجب الدستور والقوانين. المخالفة الدستورية لا يتحملها فضل الله. فالنائب له الحق بقول ما يعتقده صواباً من دون قيد. لكن طالما أن غايته كما أعلن كشف الفاسدين فعلاً وفاعلاً، كان أجدى من باب أوْلى، تسمية الأشياء بأسمائها وتوزيع المستندات على النواب للمناقشة وحشد الدعم له. في النهج نفسه، راح رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان، الذي حصل على المستندات، يمطرنا مزهواّ بوابل من التصريحات عن الفساد "الذي كنا نحن ( يقصد التيار الوطني الحر ) أول من كشف عنه منذ 2010. فوقع كلاهما فضل الله وكنعان في المطبّ السياسي. وكلاهما يتحدثان مواربة عن رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة. وقد بات الأمر معلوماً للرأي العام. بينما وزير المال المعني المباشر يكتفي بالتصريح بعد لقاء الأربعاء برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري "ما حدا عارف شو صاير"!

أسوأ الفساد بعد تجاوز الدستور والقوانين وتبهيت الدولة وسلطاتها، إقحام الفساد في تصفية الحسابات السياسية حتى لو كانت الوقائع صحيحة. نصف الحقيقة لأسباب سياسية أو أيديولوجية فساد كبير أيضاً. أما أن نشيح بناظرينا عن فاسدين للأسباب نفسها فيُزغل الكلام بنزاهة منقوصة أو معدومة من أصلها. ربما هنا مربط الفرس عند "نائب الفاعل". نحن في نظام سياسي فاسد محميٌ بالطائفة والمؤسسة الدينية. النظام في طبيعته منتج للفساد. " كلن يعني كلن". يرتكب لنفسه ولزبائنه. ينكشف فيحتمي بالطائفة. حين رفع مجلس النواب الحصانة عن النائب السابق يحي شمص بأمر من مسؤول المخابرات السورية السابق في لبنان غازي كنعان، فلأن الأخير كان "رئيس مجمّع الطوائف والسلطات في لبنان". نستثني بطريرك الموارنة  السابق المقدام الكاردينال نصر الله بطرس صفير.

حسابات المالية العامة أُنجزت عن سنوات مالية طويلة سابقة. هكذا يقول المعنيون. في هذا النوع من الحسابات يفترض،  كل تفاصيل الإيرادات، والنفقات خزانة وموازنة، ومعلومات عن قطوع الحسابات  المحققة، والغائبة وحسابات المَهمة. والنفقات المتصلة بالقاعدة الإثنتي عشرية. والهبات. وكذلك سلفات الخزانة بموجب الدستور والخارجة عنه. كل شيء. يبدو أن فضل الله وكنعان يستندان اليها، في صرف النظر عن قراءة مضمونها وتحليلها واستخلاص نتائجها. لا حاجة للقول، بوجوب الاقتصاص من فاعل في المكان الخطأ في هذه الحسابات، أياً كانت طائفته ودينه ومذهبه. إلى الجحيم ليذهب. وقد بات اللبناني معوزاً عاطلاً من العمل، معتلاً مُهاناً. قضية بأهمية حسابات المالية العامة في واقع لبنان وماليته وخزانته التي تنتظر تغطية النفقات والدين والفوائد بمثلها من إصدرات سندات الخزانة أسبوعاً بأسبوع، يستحيل أن تبقى خارج مجلس الوزراء ومجلس النواب. وخارج قضاء على رأسه رجلٌ شجاع وفىّ قسمه لينطق بالحق والحقيقة. قاضٍ لا يستجدي استقلاليته من السلطة السياسية، وقد منحه الدستور إياها. وهذه الحسابات يجب أن توضع في تصرف الشعب والرأي العام. أما أن تسرّب بالمفرّق الى هذا النائب أو ذاك لتتحول سجالاً سياسياً نزُهت النيات أم زغُلت، فهذا أفدح الفوادح.

حسابات المالية العامة أتت من السياسة والسياسات. وها هي ترتّد الى المنشأ. عشرات آلاف المستندات منذ ما قبل الطائف. لكن هل توقف الفساد السياسي وإدارة المال العام و/أو سرقته؟ حين تتعطل كل أجهزة الرقابة والمحاسبة ويستمر الإنفاق بالسياسة والكيد والفجور، وفقاً للقاعدة الإثنتي عشرية أو جزافاً، هل من الصدفة أن تكون كل مواد الدستور الأساسية المتعقلة بالمال العام والقوانين المتصلة بالشفافية والإفصاح والنزاهة، إما عاطلة من العمل لأسباب ادارية، وإما معطلة بقرارات سياسية. خصوصاً في مطارح العجز المالي الكبير. لماذا نعود الى التاريخ الغابر فحسب؟  في التفتيش المركزي مديريات للتفتيش المالين والاداري، والتربوي، والصحي وغيرها. تعطيل عمل التفتيش بالسياسة كان في المقام الأول. ادارة المناقصات إحدى أهم مرابض اصطياد الفاسدين استُهدفت في ملف بواخر الكهرباء من "التيار الوطني الحر" وبتدخل رئيس الوزراء سعد الحريري. لو لم يكن رجل هناك على رأس الادارة كنا "لم سمعنا لم علمنا". وقتها كان وزير العدل السابق سليم جريصاتي يصدر "فرماناً" يحذر وسائل الاعلام وغيرها من التحدث عن الفساد وإهدار المال من دون تسمية الفاسدين، بدعوى "المساس الأمن القومي" على طريقة النظام السوري. لكن لماذا لم تؤسس الهيئة الناظمة للكهرباء، ولا مجلس ادارة لمؤسسة كهرباء لبنان؟ 40 مليار دولار أميركي عجز الكهرباء فقط، ولا تزال المليارات تُقتطع من لحم الشعب اللبناني والكهرباء على حالها. الهيئة الوطنية لسلامة الغذاء لم تعين أيضاً. وكل يوم هناك فضيحة غذاء. المراسيم التطبيقية لحق الوصول الى المعلومة أين أصبحت؟ وكلها نصّت عليها قوانين صادرة عن مجلس النواب نشرت في الجريدة الرسمية ولم تنفذ. يعود مجلس النواب والحكومة في الشهر الثالث من 2019 الى تشريع الإنفاق الإثني عشري. ومعظم حسابات المالية العامة في بطن هذا النوع من الإنفاق. وسيشرعه فضل الله وكنعان معاً. إستئخار تأليف الحكومة كان فساداً سياسياً. تعطيل البلد قرابة سنتين بلا رئيس جمهورية فساد سياسي أيضاً. الكيد السياسي ثمنه مليارات تظهر في حسابات المالية العامة. ولكن تُسجّل على نائب الفاعل.

 

 

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"