عصام الجردي

2019 Mar 06




لو كنت مكان المدير العام لوزارة المال ألان بيفاني حين كان يُمنع من ممارسة مسؤولياته، ويحال بينه وبين وضع حد اداري على الأقل للسرقات والتزوير، والتلاعب بالقيود، وبأصول المحاسبة والتدقيق، وخلافها من الشؤون الخطيرة التي تطرق اليها في مؤتمره الصحافي، لأقدمت على الاستقالة فوراً. وأعلنت على الملأ ما يجري في أهم وزارة لصيقة بالمواطن، وبكل الوزارت والمؤسسات العامة. هذا لا يعني البتّة، أن "مرور الزمن" على الوقائع الخطيرة التي عرضها، يقلل من أهميتها. ولا يسري مرور الزمن على الجرائم المالية وغيرها عندما تتصل بالحق العام. وكل ما أورده يتعلق بالحق العام ومخالفة الدستور والأصول والقوانين حتى يثبت العكس.

قال بيفاني إنه كان يُمنع "من فوق" من ممارسة مسؤولياته. و"كفى القول إنها ادارة فاسدة. ولا تفسد إلاً أذا كان فوقها فاسد". الـ"فوق الفاسد"، هو السلطة السياسية. سرقة، وتزوير، وتلاعب بالقيود، وتحويل حسابات متعاقدين الى حسابات شخصية. ومخالفات سلف خزانة بلا سداد. وسداد قروض بلا قوانين. وكل ذلك نتيجة من هم "فوق".

قال بيفاني إنه كان يرسل المخالفات والتجاوزات الى القضاء، وسلطات الرقابة، والتفتيش والمحاسبة. عملياً كان يرسلها "من تحت" في وجود الوزير أو الوزراء. إستخاره إبلاغ السطات المعنية "مرده إلى عدم انجاز الحسابات. التسويات لا علاقة لي بها" قال. لكن تدخل الـ"فوق" في حقه بممارسة صلاحياته وحجب معلومات من المركز الآلي، و"التهديد والوعيد" هي أيضاً مخالفات للدستور، وعسف في تجاوز حد ّالسلطة. كان بيفاني أكد في تصريح له ساعات معدودة قبل المؤتمر الصحافي، "هناك الكثير من الوثائق التي تؤكد منعي من القيام بواجباتي مع فريقي بهدف تحجيم الادارة العامة، وتصديت لهذه المحاولات مرات عدة. ليس لدي النية لألعب دور القاضي ولن اتناول المغالطات الكبيرة التي أشيعت. بل سأكتفي بحقي بالردّ لما طال الوزارة، ولا أرغب بالدخول في سجالات مع أحد".

واضح أن ما استدعى بيفاني عقد مؤتمره الصحافي كان للردّ على الرئيس فؤاد السنيورة الذي تناوله بالشخصي. وبعد إنجاز حسابات المالية العامة على ما قال. وهنا تستدعي الحقيقة، أو ما نعتقده كذلك القول أن ألان بيفاني نادراً ما كان يخرج الى الاعلام. لم يكن مِكثاراً ولا ثرثاراً. ولم نسمع بمقدار - ما نملكه من معلومات - إنه ارتكب في سياق إدائه وظيفته العامة ما يعاقب عليه القانون. في التأكيد له حق الردّ وكشف المستور المكشوف الذي تلهج به ألسنة العامة. هذه ليست نقيصة. ويجب أن يدافع عن نفسه مهما تكن النتائج. فالتسلسل الاداري وإذن الوزير ليسا مسألة فادحة. وهو سأل رداً على سؤال في مؤتمره الصحافي، هل الكشف عن التجاوزات هو المشكلة أم ارتكابها؟ مع ذلك، يستدعي ما قاله المدير العام لوزارة المال توضيحاً وبعض أسئلة:

المرسوم الاشتراعي الرقم 111 خوّل المدير العام صلاحيات واسعة جداً. هو رئيس كل الموظفين في ادارته. يراقب سير العمل بتفتيشه الدوائر والموظفين، ويتخذ التدابير اللازمة لمعاقبة المخطئين واصلاح الاخطاء، واتخاذ التدابير التي تؤول الى تلافيها. وعليه أن يجري هذا التفتيش مرة كل ثلاثة أشهر في الدوائر المركزية، و كل ستة أشهر في المناطق . ويكون على اتصال مع ادارة التفتيش المركزي في شأن تقارير التفتيش والاقتراحات الرامية الى تحسين سير الادارة . وله ان يكلف التفتيش المركزي اجراء التفتيش في الدوائر التابعة له بالاضافة لما يقوم به شخصيا من اعمال التفتيش .

من صلاحياته أيضاً، يؤشر على المعاملات التي تعرض على الوزير او يبدي مطالعته الخطية بشأنها. وتربط هذه المطالعة الخطية بالمعاملة وتحال معها على المراجع المختصة. وعلى المدير العام أن يضع تقريراً قبل نهاية كل ستة أشهر، يعرض فيه برامج وزارته. ما تحقق منها، وما لم يتحقق. والصعوبات التي اعترضت التنفيذ وأحوال الموظفين. ويرفع هذا التقرير الى الوزير وترسل نسخ عنه الى مجلس الخدمة المدنية  وادارة التفتيش المركزي. ويتوجب عليه إبلاغ النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة بأي مخالفات وخلال أسبوع من حصولها. كل ذلك وليس على وجه الحصر. وصلاحياته واجب عليه.

نسأل المدير العام لوزراة المال، هل قام بمسؤولياته التي يخوله إياها القانون وفي الأوقات المفترضة لحصول كل ما سرده من جرائم مالية وتجاوزات في الوزارة؟ هل يحول عدم إنجاز الحسابات المالية العامة دون قيامه بمسؤولياته؟ ألم يكن من الأنسب الكشف في حينها عمّا سرده من جرائم مالية ومحاسبية موصوفة، ومن الضغوط التي مورست عليه أياً تكن النتائج؟

توكيداً، لا نعيب على المدير العام حقه قول ما قاله في مؤتمره الصحافي وما اعتقده صحيحاً. سواءٌ استأخر الكشف عنه لأي سبب، أو للدفاع عن نفسه. مع ذلك، لا بدً من الكشف عن حسابات المالية العامة بعد إنجازها ولو منقوصة. لا يُعقل أن تكون هذه القضية التي نشهد الكثير من فصولها لتحقيق بطولات سياسية في المكان الصحً والغلط، من دون وضعها في متناول الرأي العام والشعب. لا نتحدث عن مرحلة التحقيق. الجرائم حصلت. للقضاء أن يفعل. ولديوان المحاسبة أن يضع ملاحظاته ويحيلها الى مجلس الوزراء ومجلس النواب.

وهنا لا بدّ من كلمة للقضاء تكراراً ولمناسبة تعييين المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. أولاً، لا دولة تقوم من دون قضاء مستقل عن السلطات السياسية. رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب. ثانياً، القضاء قاض وقضاة. من يريد التنازل عن استقلاليته لألف سبب وسبب فليستقل. لأنه يخالف الدستور والقوانين. لنتصور أن قضية بحجم الحسابات المالية العامة والعجز والدين، نقلت البلد الى مرحلة الانهيار. وهي قضية سياسية بامتياز وليست وليدة هفوة موظف يطالب بتنفيذ سلسلة الرتب والرواتب. لكنها قضائية أولاً وأخيراً تتعلق بجرائم مالية وادارية. ديوان المحاسبة على رأسه قاضٍ. هو الذي يرفع ملاحظاته وتقاريره الى السلطات السياسية. التفتيش المركزي على رأسه قاض. النيابة العامة المالية أيضاً. في عهدة قاض. حصول أي خلل لدواعي سياسية وطائفية وغيرها في لحظة ما، وفي مكان ما من الهيئات التي ذُكرت، يعني خراب البلد وانتصار جمهورية الفساد في لبنان. هذا ما يدعو الى القلق. ما قاله المدير العام لوزارة المال فادح وخطير. وما سألناه إياه أيضاً. وما لم يقله ويكشفه أفدح.

 

 

آخر المقالات


لتتخلّ المرجعيات عن امتيازاتها

عصام الجردي

المؤسسات الأكثر فساداً هي المقصية عن رقابة هيئات التفتيش والمحاسبة، بدعم مباشر من مرجعيتها السياسية

لتُكشف حسابات المالية العامة

عصام الجردي

أسوأ الفساد بعد تجاوز الدستور والقوانين ، إقحام الفساد في تصفية الحسابات السياسية

4.8 مليارات دولار عجز ميزان مدفوعات 2018

ليبانيزكورا

العجز نتيجة تراجع أصول المصارف الصافية بواقع 2.5 مليار دولار ونحو 2.3 مليار في أصول مصرف لبنان