عصام الجردي

2019 Mar 14




قرر رئيس مجلس النواب نبيه بري دعوة المجلس الى جلسة مساءلة الحكومة. لكن أي مجلس نواب ليسائل الحكومة ويسألها؟ وأي حكومة لتُسأل عن أعمالها وتناقش؟ لقد تقرر من زمان تعطيل صلب النظام الديموقراطي البرلماني الجدير بمناقشة الحكومات ومساءلتها، يوم تقرر تكريس ما يسمى "حكومات الوفاق الوطني" تشترك فيها كل الكتل النيابية وتُفتقد المعارضة من الحياة السياسية والبرلمانية.

ربما نكتشف يوماً ما، أن التدبير الحزبي الذي لجأ اليه رئيس "كتلة لبنان القوي" جبران باسيل كان في مكانه. ولو أن باسيل لم يتوسله غاية في السبيل الذي نعرض له. حصول رئيس الكتلة سلفاً على كتب استقالات جمعية موقعة من وزراء الكتلة في خطوة غير مسبوقة في الحياة السياسية اللبنانية، إنما يعكس واقع حال الهياكل الحكومية والنيابية في لبنان. وكم هي بعيدة من ممارسة المسؤولية في مجالس النواب ومجالس الوزراء والحكومات كما حددها الدستور. المادة 66 منه "يتحمل الوزراء إجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة ويتحملون إفرادياً تبعة أفعالهم الشخصية. وتنص المادة 88: "عندما يقرر المجلس  عدم الثقة بأحد الوزراء وفاقاً للمادة السابعة والثلاثين وجب على هذا الوزير أن يستقيل. و"تكون إقالة الوزير ( المادة 69 ) بمرسوم يوقعه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بعد موافقة ثلثي أعضاء الحكومة". باسيل قرر اختزال الدستور ورئيسي الجمهورية والحكومة وثلثي أعضائها ومجلس النواب بشخصه. كان يمكن استيعاب هذا الموضوع، لو حصل على تعهد من وزراء التكتل والمحسوبين على تياره بأن يستقيلوا في حال قرر التيار والكتلة ذلك. لم يفعل. لكن لم يقل ما اذا كان هو نفسه سينوب عن الوزراء في حال الإقالة ليتقدم بكتاب الاستقالة من مجلس الوزراء!

هذا الإنكشاف المريع في ممارسة الحكم والمسؤولية، إنما يعكس حقيقة لا يداخلها شك في انكشاف مجلس النواب على عجز مساءلة حقيقية للحكومة أو لأحد وزرائها. وحجب الثقة حين تدعو الحاجة، في غياب معارضة نيابية داخل المجلس من خارج أفراد معدودين. وفي ظل حكومة تألفت من خليط متنافر لا يمكنها من ثلثين لإقالة وزير. وهي عاجزة عمّا هو أقل بكثير وأهم بأكثر وهو اعتماد التصويت على القرارات والمشاريع في مجلس الوزراء. هذه القاعدة الحميدة لازمة للعمل الديموقراطي وإنجاز المشاريع مفقودة هي الأخرى. في "حكومات الوفاق الوطني" تغدو القاعدة ذميمة.  وتتعطل القرارات الكبيرة والصغيرة أيضاً. كتعيين موظف، أو سفير أو مدير عام. بينما التعيين من الباطن بالتعاقد يقوم به وزير منفرداً وخلافاً لقرارات مجلس الوزراء مجتمعاً. هذه هي حالنا.. لذلك، لا نعول كثيراً على جلسات مجلس النواب للمساءلة والمناقشة. فحرّاس الوزراء وملائكتهم حاضرون في مجلس النواب. والنواب في حراسة رؤساء كتلهم وعلى دين ملوكهم.

ولأن "مكافحة الفساد" هي فاكهة الموسم الرديئة هذه الأيام، فمن الطبيعي أن يصول النواب في هذا الميدان ويجولون في جلسات المناقشة والمساءلة. ولا نقول المحاسبة فالكتل الحاكمة من الأكثرية السلطوية لن تطلق النار على نفسها. لكن سنرشد أصحاب السعادة الى قضية أخطر بكثير من سرقة المال العام وإهداره وإنفاقه لغير الغايات المخصص لها. لقد بدأ يتكرس عرفٌ من خارج الدستور والقوانين، يتمثل في استئثار هذا الفريق أو ذاك بهذه الوزارة أو تلك. وزارات المال، والدفاع، والداخلية، والخارجية والمغتربين، والطاقة والمياه، والأشغال العامة والنقل، والتربية والتعليم العالي، والشؤون الاجتماعية، والاقتصاد والتجارة، وربما وزارة الصحة لاحقاً. هذا النهج المريب المخالف للدستور، هو أحد اهم المعوقات في تأليف الحكومات الذي يستغرقه شهوراً وأحياناً أكثر من عام. الدستور قال المناصفة في مراكز الفئة الأولى بين المسيحيين وبين المسلمين. ولم يصنف وزارات بعينها لطائفة بعينها. والأدهى في تكريس هذا العرف، إنه يتحول الى حزب الطائفة الأنقى، وتيارها وحركتها. وليس لأبناء طائفة معينة من دون اعتبار الإنتماء السياسي. والدستور قال الذي قال المناصفة قال بعدم التمييز بين المواطنين وليس بعدم التمييز بين الطوائف.

هذا النهج في تولّي الحكم والاستئثار بالوزارات أسهل طريق للفساد والزبائنية. عدم تداول الوزارات، وتكريسها لأحزاب وتيارات يقود في الضرورة الى كل الارتكابات. أقلها التمييز بين المواطنين والمناطق، وسؤ استغلال السلطة لمصالح ضيقة. والأخطر، يعتبر معوقاً كبيراً للرقابة والمحاسبة والإفصاح. سواءٌ على مستوى الادارة الحكومية، أم على مستوى مؤسسات التفتيش المركزين والمالي، وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية. ويعوق رقابة مجلس النواب في وقت واحد، طالما بقيت هذه الوزارة أو تلك في يد فريق واحد ولو تعددت الأسماء. فكل واحد يشكل غطاء للآخر.

لا يتجلّى هذا النهج في الهيكل الحكومي الوزاري. هو أسوأ في الادارة العامة والمصالح المستقلة والمؤسسات التي تعمل في كنف الحكومة. الاصلاح الهيكلي والقطاعي المطلوبان من مؤتمر سيدر، يستحيل مقاربتهما في ظل نهج استقطاع المؤسسات العامة والمديريات العامة والمصالح المستقلة. وبعد استقطاع الوزرات بات كل شيء مستباحاً للزبائنية. ادارة، ومالاً، وهيكلاً وظيفياً، ونتائج وإداءً. كيف يمكن أن تستقطع طائفياً وحزبياً، ادارة مؤسسات كمجلس الانماء والاعمار، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمديرية العامة للجمارك، والمجلس الأعلى للجمارك، ومؤسسة كهرباء لبنان، ومجلس الجنوب، وصندوق المهجرين، والنقل البري، والجوي، والبحري، والمرفأ، والمطار، والطاقة، والنفط والغاز، والمياه، والريجي وكل شيء؟ كل ثروة البلد واقتصاده وماله وناسه وخدماته ومستقبله! الاستئثار بالوزرات على خطورته يبقى خاضعاً للمقايضة بوزارات أخرى على مبدأ الإستحصاص. لكن هل يمكن أن يبقى على رأس مؤسسات عامة ومصالح مستقلة مديرون ورؤساء مجالس ادارات من فريق سياسي وحزبي وطائفي واحد من دون مداورة وعلى أساس الكفاية والنزاهة عقوداً من الزمن؟

هذا معلَم رئيسي من معالم الفساد والسبيل المؤدي اليه. الاصلاحان القطاعي والهيكلي اللذان يشترطهما مؤتمر سيدر للحصول على تعهداته يستحيلان في ظل هذا الوضع المسيّج بنظام سياسي أكثر فساداً. وبداهة، أن المؤسسات الأكثر فساداً هي المقصية عن رقابة هيئات التفتيش والمحاسبة، بدعم مباشر من مرجعيتها السياسية. وبدعوى حقوق الطائفة وتمثيلها حصرياً وبلا منافس. من هنا يجب أن يبدأ مجلس النواب ليصل الى خاتمة الأحزان بمكافحة الفساد. لتتخلّ المرجعيات السياسية والطائفية عن امتيازاتها في الادارات العامة وكيانات المال العام أولاً. غير ذلك عبثاً تحديد الفاسد. وحماقة مكافحة الفساد.

 

 

 

 

 

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"