عصام الجردي

2019 Mar 21




يحاول الوزير وائل أبو فاعور دائماً إحداث صدمة إيجابية على رأس الوزارات التي يتولى مسؤوليتها. فعل ذلك في وزارة الصحة على مستوى المستشفيات الحكومية والخاصة. الاجراءات التي اتخذها لضبط الفساد في قطاع التغذية كان لها أثر إيجابي لدى المواطن. بصرف النظر عن مدى استمرايتها وديمومتها. حسبُه إنه حاول. أبو فاعور يحاول وزيراً للصناعة بدعم من رئيس الحكومة سعد الحريري، تنكُب مهمة جديدة لمساعدة الصناعة اللبنانية من خلال إلزام مؤسسات القطاع العام والدولة اللبنانية بأفضلية في مشترياتها بحافز سعر نحو 15 في المئة تحوزه منتجاتها في المناقصات العمومية على العروض التي تتم من خلال ادارة المناقصات ومن خارجها.

إجراء محمود في المبدأ ومطلوب لدعم الانتاج الصناعي اللبناني، على خلفية النتائج أياً كان حجمها. القيمة المضافة للانتاج الصناعي كبيرة جداً في كل البلدان. خفض العجز التجاري وقد بلغ لدينا في 2018 نحو 17 مليار دولار اميركي. والحد من الضغط على ميزان المدفوعات وعجزه في السنة نفسها 4.8 مليارات دولار اميركي، يستنزف احتياطات العملات الأجنبية ويضغط على سعر الصرف. واستيلاد فرص عمل للبنانيين مع بطالة قياسية أرقامها الدقيقة الرسمية ليست متاحة نتيجة الفوضى العارمة في سوق العمل. وبحسب التقديرات تراوح بين 27 في المئة وبين 33 حداً ادنى. الدول الصناعية الكبرى نفسها تلجأ الى تدابير مماثلة لحماية صناعتها. الخلافات العميقة بين الولايات المتحدة وبين الاتحاد الأوروبي على دعم كل منهما لصناعته ضيف دائم على لجنة النزاعات في منظمة التجارة العالمية منذ خمسة عشر عاماً. وعلى خلفية دعم المنتج الاميركي في "أميركا العظيمة"، ضرب الرئيس دونالد ترمب كل قواعد التجارة الحرة.

الأفضلية للصناعة اللبنانية في المشتريات الحكومية، كانت موجودة ولا تطبق. الاجتماع الموسع الذي رأسه الحريري قبل أيام في السراي وحضره وزير الصناعة إنما يعبر عن ارادة لتنفيذ الإجراء وتوسيعه. الكل كان موجوداً. وزارة الاقتصاد والتجارة، ومجلس الانماء والاعمار، وقيادة الجيش، وقوى الأمن الداخلي، والأمن العام، وأمن الدولة، وديوان المحاسبة، وادارة المناقصات، والهيئة العليا للاغاثة، ومصالح المياه ومجلس الجنوب الى جمعية الصناعيين. حضور ديوان المحاسبة الذي له حق الرقابة على الصفقات الحكومية، وادراة المناقصات يوحي بالجِدية. خصوصاً، أن مشتريات الأسلاك العسكرية والمدنية هما خارج الادارتين. وتلزيمات مجلس الإنماء والإعمار لا تمر بادارة المناقصات. مع ذلك، يستدعي الأمر التوقف عنده. وسنبدأ بالمهم وننتقل الى الأهم.

في المهم، 15 في المئة حافز الأفضلية للصناعة اللبنانية في  مشتريات الوزارات والأسلاك العسكرية والأمنية، وقطاعات الدولة المدنية ووزاراتها ليس شأناً يسيراً. يشمل مروحة واسعة جداً من السلع والخدمات. وكان القطاع التجاري يؤمن معظم تلك المشتريات. ولطالما كانت قضية دعم الصناعة تثير حفيظة التجار وجمعياتهم بدعوى الاقتصاد الحرّ، والحفاظ على النموذج الاقتصادي الريعي بعيداً من تدخل الدولة. وكانت الغلبة في معظم الأحيان للتجار وليس للصناعيين. وشكلت جمعيات التجار حائط صد لكل محاولات جمعية الصناعيين الحصول على حوافز تفضيلية تعتبرها تحد من المنافسة المحايدة. السلطات الحكومية ومجالس النواب بتركيبتها السياسية المركنتيلية دعمت هذا الاتجاه. ولم يكن مستغرباً عدم استخدام التجار و"حزب القوميسيون" نفوذهما حين يتعلق الأمر بالصادرات الصناعية من دون غيرها. الاقتراب من السوق المحلية مسألة مختلفة ولها حساباتها. التجار يؤيدون بشدة خروج المنتج اللبناني الى الأسواق الخارجية كي لا يزاحمهم في السوق المحلية. يؤيدون بعض الحوافز من الخزانة اللبنانية والموازنة السنوية. كخفض الضريبة بواقع 50 في المئة على الصادرات الصناعية. ودعم النقل البحري عبر إيدال. وتعرفة كهربائية ومائية خاصة بالصناعة وليس على وجه الحصر. موافقة التجار على أفضلية 15 في المئة للمنتج الصناعي في المشتريات الحكومية مسألة ليست يسيرة في مروحة صفقات للحكومة والوزرات والمشاريع، ستضعف بالتأكيد هامش المنافسة امام التجار في المناقصات العمومية ومن خارج ادارة المناقصات. وهناك شكوك في قبول التجار هذا الإجراء بسهولة. وكأن رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين فادي الجميّل استشعر هذا الإحتمال حين صرح بعد اجتماع السراي بأن مطلب دعم الصناعة يجب "ألاّ يُفهم مبارزة بين القطاعين الصناعي والتجاري. فدعم الصناعة يحرك القطاعات الانتاجية كافة، ويوفر فرص العمل والنمو المستدام".

أمّأ الأهم، فمن ثلاثة:

اولاً: كل دعم يأتي من الخزانة أو الموازنة العامة للصناعة أو لغيرها من القطاعات، يفترض أن يؤدي أغراضه على مستوى الاقتصاد الكلي كما سبق الذكر مقدماً. ويفترض متابعة الدعم ومسار تنفيذه على قدم وساق، لتعويض 15 في المئة هامش السعر التفضيلي للصناعة المحلية. خصوصا، في حال إمكان التوريد للمشتريات الحكومية بأسعار أرخص من الخارج. أو بجودة أفضل وسلعة بعمر أطول.

ثانياً: يجب ربط الأفضلية بالصناعات المحلية القادرة على استيلاد القيمة المضافة. وليس بكل الصناعات وبلا شروط. وإلاّ بات الدعم للصناعيين وليس للصناعة الوطنية. نعم، هناك أعباء على الصناعة ذات الاستخدام المكثفّ للطاقة. وهناك منافسة إغراقية احياناً كثيرة لحساب التجار. وأعباء الخِدمات العامة كهرباء ومياه وخلافهما. لكنها أعباء تصيب كل مرافق الاقتصاد الوطني وتستنزفه وتطال كل الناس والمعدمين على حد سواء. فأي أفضلية لهؤلاء؟

ثانياً: ربط أي دعم وأفضلية وحوافز بالصناعيين الذين يستخدمون الأيدي العاملة اللبنانية. ويسجلون عمالهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ويصرحون عن لوائح الأجور الحقيقية. ويسددون اشتراكاتهم للصندوق. قال رئيس جمعية الصناعيين إن "كل 50 ألف دولار اميركي توظف في القطاع الصناعي تأتي بوظيفة، وتاليا فإنّ توفير كلّ مليار في عجز الميزان التجاري يخلق 20 ألف وظيفة، و44 ألف وظيفة رديفة، بما يخفّض حدّة مشكلة البطالة". أمر جيد. لكن لمن الوظائف؟

ثالثاً: يشكو الصناعيون الإغراق المجحف ضد المنتج الوطني. بيد أن استرخاص اليد العاملة الأجنبية الى حد الاستغلال القبيح بلا ضمانات وحقوق، على حساب اليد العاملة اللبنانية، هو أيضاً إغراق ضد العامل اللبناني أقبح من إغراق السلع الأجنبية. فهل إغراق السلع الأجنبية لمصلحة رجل الأعمال في الخارج ممنوع، وإغراق سوق العمل اللبنانية على يد رجال أعمال لبنانيين مسموح ومباح؟

 

 

آخر المقالات


ضمان المغتربين وواجب دولتهم

عصام عازوري

من يضمن المغتربين المتقاعدين العائدين الى وطنهم؟

درب الجلجلة

عصام عازوري

أبعد من شعنينة الروم وفصح الموارنة

إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"