عصام الجردي

2019 Mar 29




 

إنها عوارض الآتي الذي لم يأت بعد. النفوس كظيمةٌ، والناس مهجوسون بالأسوأ ولا أحد يعتبر. "ما أكثر العِبر وما أقل المعتبرين"، نقتبس من الخليفة عمر بن الخطّاب. ضاق البلد بناسه. وعزّ العيش الرغيد. التنابل فقط على غِبطة، في سلطة فقدت كل مقومات وجودها. ويُطلب منها الدواء بالتي كانت هي الداء. عنتريات وسخافات. وادعاءات عفّة، وحملة لمكافحة الفساد.

لم يعد لدينا مال. مصادر التمويل عزّت حتى بالفوائد العالية القياسية. تتراجع إيرادات الخزانة، وترتفع حصة الفوائد من الإيرادات المتوفرة. تمويل شراء المحروقات يتم على القطعة. التيار غير موجود وبفاتورتين على المواطن. التاجر يشكو الركود. والصناعي يشكو الإغراق. وسوق العمل في القطاعين تشكو البطالة لمصلحة النازح الاقتصادي السوري والعمالة الآسيوية والأفريقية. الصيانة متوقفة لما بقي صالحاً للإستخدام من البنى التحتية والخدمات. وتهتلك قبل نفاد عمرها التقني. المقاولون يطالبون سداد مستحقاتهم على الدولة. أصحاب المستشفيات أيضاً. الباقون لم يرفعوا الصوت بعد. الأساتذة المتعاقدون مهددون بالبطالة. القانون 46 لم يجد طريقه للتنفيذ. المدارس الدينية بقيادة اتحاد المدارس الكاثوليكية، ودعم جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية أعلنت العصيان على القانون. وتطالب بالدعم المالي من الخزانة الفارغة خلافاً للدستور وهي لا تكلَف ضرائب. وتعتبر شركات تعليمية تجارية بكل معنى الكلمة. عشرات الجمعيات معظمها ذو طابع ديني وطائفي مصنّفة ذوات منفعة عامة، تستورد معفاة من الرسوم الجمركية بنحو 4 مليارات دولار اميركي سنوياً سلعاً للمنفعة الخاصة. وعدد كبير آخر من "جمعيات الحرملك" لزوجات سلاطين آخر زمان ولأنسبائهم ولذوي القربى. وكلها محميات لا يطالها التفتيش وقانون المحاسبة العمومية والرقابة. لم يعد من مكان للتخلص من النفايات الخطرة. تُرمى في الطرقات والأودية، وتنداح على الخضرة والسهوب الجميلة ومجاري الأنهر. كنا اعتقدنا أن النفايات الصناعية هي الأخطر بينها. إكتشفنا أن النفايات أخطر بكثير. "هناك حلٌ من إثنين لمعالجة هذه الآفة، إمّا رمي المرضى في الخارج وتوقف المستشفيات عن العمل، وإما رمي نفايات المستشفيات في الشارع"! نعم، هكذا نفهم من تصريح لرئيس نقابة أصحاب المستشفيات. مواردنا على سطح الأرض وفي جوفها يُعتدى عليها. لا نتحدث عن النفط والغاز. كلاهما له زبائن وملائكة. بل عن الأهم. عن المياه الجوفية الأوفر في المنطقة. وعن المناخ والمساحات الخُضر. كيفما تلفتنا فالدهماء داهمة.

كل ذلك نتاج طبيعي لنظامين سياسي واقتصادي. لا توصيف علمي لهما. الأول لا مثيل له على الاطلاق. عودوا الى الدستور. النظام برلماني ديموقراطي. برلماني لا يقوم مجلس النواب بوظائفه. لا رقابة ولا مساءلة ولا محاسبة. ديموقراطي لكن بلا معارضة. وسلطة اجرائية وحكومة تحالف كتل في مجلس النواب. سلطة قضائية خوّلها الدستور استقلالاً عن السلطة السياسية يرفض قضاتها استخدام حقهم ويستجدون استقلالاً من سياسيين غير مستقلين أصلاً. أمّا النظام الاقتصادي الذي قيل عنه في الدستور حراً ومبادراً على مستوى الأفراد ويكفل الملكية الخاصة، فهو لا هذه ولا تلك ولا تينك. لأن العدالة الاجتماعية وهي لازمة لحظها الدستور مسفوحة. ولأن حجم القطاع العام بات يوازي حجم القطاع الخاص في الاقتصاد. ولأن الدستور اعتبر الملكية العامة وحمايتها تحصيل حاصل، فلم يلحظها بالقلم الصريح، معتدى عليها من زمان. ويستمر الاعتداء من أهل البيت والسلطة نفسها. ولأن قطاع الاقتصاد الموازي من خارج القيود الرسمية بات يوازي نحو 35 في المئة من الاقتصاد الشرعي. لم تعد القضية اقتصاد ريوع، وزبائن، وقوميسيون، وفساد التربة التي نشأ فيها وأينع نظام سياسي فاسد وفاجر. كل نظام لازمة للآخر وحصن بقائه. هو نظام الاقتصاد السياسي المنحطّ أخلاقياً ووطنياً.

قد يتساءل كثيرون لماذا انكشف النظام الآن؟ ببساطة. لأن جفّ الضرع وبار الزرع. ضرع التحويلات من الخارج ماعاد لبنان وُجتهه، إلاّ من عاملين في الخارج الى أسرهم. الباقي توقف. الصادرات الى مليارين من نحو 4 مليارات دولار اميركي سنوياً. السياحة ما عادت مغرية منشآت ولهو وفندقة. بات في محيطنا أبهر منها بكثير. الطبيعة الجاذبة ذكرنا حالها والاعتداءات عليها. ترداد أرقام السائحين لا يشفي. المردود الإنفاق يُعتّد به. الاستثمارات الجديدة اللبنانية والعربية والأجنبية عموماً جامدة. ولا توجد حوافز للاستثمار في بلد خارج على دستوره وقوانينه وسلطة دولته على أرضه وناسه. مراكز الثروة الوطنية لن تذري مالها في المجهول. تستثمر في المال والنقد يجزيان فوائد دائنة أعلى من الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي، بدلاً من فوائد قياسية مدينة على استثمارات غير مضمونة النتائج.  كان بقي لنا بعض ودائع من غير المقيمين للافادة من الفوائد في أوراق الدين الحكومية والمصارف. علاوة المخاطر على المصارف ترتفع ومعدل الفائدة على مخاطر ائتمان الديون ( CDS ) كذلك. ما الذي استجدّ ليجف نظام الريوع؟ ببساطة. مخاطر الدولة وانكشاف التركيبة الطائفية على ولاة أمرها في الإقليم. ولأن لبنان منذ 2011 دولة هامشية في صراع الإقليم تراجعت التحويلات السياسية الى أطراف النزاعات الطائفية. خلا "حزب الله" والدعم الايراني. ولئن كان هذا الدعم يدخل في الدورة النقدية والاقتصادية المحلية في النهاية، لكن سيطرة الحزب على القرار السياسي في لبنان كان تثقيله أوزن سلبياً من الأثر النقدي والمالي. لو أضفنا أثر العقوبات المالية الاميركية على الحزب، وانعكاسها على الدورة النقدية والمالية وعمل المصارف لتظهرّ الأثر أوضح. والحال نفسها في العقوبات على سوريا وعلى وعلى أفراد سوريين. المصارف اللبنانية لا تفتح حسابات جديدة لسوريين بصرف النظر عن ملاءتهم وسمعتهم المالية. وتخسر كثيراً نتيجة ذلك. فقط لمَنجاتها من فوبيا العقوبات. وفي الطريق المزيد منها. إلى ذلك، فقد بددنا هباء معظم المساعدات العربية والأجنبية التي حصلنا عليها نتيجة المخاطر الناجمة عن إفلاس النظام السياسي الطائفي والمذهبي. والدليل، أن إفلاس النظام السياسي جاء أولاً. سيليه المالي طالما لم يستشعر النظام السياسي بالوحش الآتي.

تمحصوا قليلاً ماذا يحصل على صعيد تعهدات مؤتمر سيدر. وهي ليست الحل لأزمتنا. لكنها أوكسجين للنظام المريض بفوائد طويلة المدى يشتري بها الوقت مرة جديدة وأخيرة ربما. مع ذلك فالنظام السياسي عاجز عن تقبل "جرعة الإنعاش". لا موازنة. ولا خفض نفقات. ولا خطة كهربائية من خارج البواخر ولا اصلاح. النظام السياسي يفلس أولاً.

 

 

 

 

 

 

آخر المقالات


إختبار الشهر الأول...والخيار لنا

عصام عازوري

عن هدر الطعام وثقافة المجتمع وتعميم "الاقتصاد"

شكراً لمركز الشمال للتوحد

عصام عازوري

"مركز الشمال للتوحد" يرد و...شكر على التوضيح

يوم التوحد والغرفة المغلقة

عصام عازوري

عن الغرفة الخاصة بالأطفال المصابين بالتوحد في مطار بيروت الدولي